يموت المعلّم… ولسّا بيتعلّم

عمان-الاردن
٢٠٢٦/٢/١٨
القس سامر عازر
هو مثلٌ شعبيّ عميق الدلالة، تختزن كلماته حكمة الأجيال: يموت المعلّم ولسّا بيتعلّم. وكأنّ الحياة كلّها مدرسة مفتوحة، لا جرس فيها يعلن نهاية الحصة، ولا شهادة نهائية تُغلق باب المعرفة.
هذا المعنى عبّر عنه التربوي الأردني الكبير ذوقان عبيدات في عنوان كتابه “معلِّم متعلِّم”، ليؤكد أن المعلِّم الحقيقي لا يتوقف عند حدود ما يعرف، بل يبقى في حالة بحث دائم، وتعلّم مستمر، ومراجعة ناقدة لذاته وأدواته وأفكاره. فالتعليم ليس مهنة جامدة، بل رسالة حيّة تتجدّد بتجدّد الإنسان.
ومن أقوال هنري كيسنجر اللافتة والتي أتى على ذكرها الإعلامي والأديب عماد الدين أديب في مقابلته مع سمير باشا الحياري على منصة نون: “إنك لا تعلم الكم الذي لا تعلمه.” وهي عبارة تهزّ يقين الغرور المعرفي، وتضعنا أمام حقيقة متواضعة: مهما اتّسعت معارفنا، يبقى المجهول أوسع. إنّ الاعتراف بحدود المعرفة هو بداية الحكمة، وبوابة التعلّم الحقيقي.
والحقيقة أننا لا يمكن أن نعلم كل شيء عن كل شيء، فالمعارف تتراكم، والعلوم تتطور، وحقائق جديدة تتبلور كل يوم. ما كان يقينًا علميًا قبل عقود قد يُعاد النظر فيه اليوم، وما كان ضربًا من الخيال أصبح واقعًا معاشًا بفضل البحث العلمي وتطور التكنولوجيا والعلوم الحديثة. لذلك فإن الجمود المعرفي ليس فقط عجزًا، بل خطرٌ على الإنسان والمجتمع.
ومن الاقتباسات العميقة للدكتور مهدي العلمي: “من لا يتطور يتكور، ومن لا يتقدم يتقادم.” وهي حكمة تختصر قانون الحياة ذاته؛ فالحياة حركة، والتاريخ مسيرة، والزمن لا ينتظر أحدًا. من يتوقف عند محطة الأمس يفوته قطار الغد.
وقد قال أرسطو: “كلما ازددت علمًا، أدركت كم أنا جاهل.”، وقال ألبرت أينشتاين: “ليس لديّ موهبة خاصة، أنا فقط شغوف بالفضول.” فالعلم لا يقوم على ادعاء الكمال، بل على فضولٍ دائم، وتساؤلٍ لا ينتهي، وبحثٍ صادق عن الحقيقة.
من هنا، نحن بحاجة إلى تطوير العقول، لا إلى حشوها. بحاجة إلى تنمية الفكر النقدي، لا إلى تكديس المعلومات. بحاجة إلى الجرأة في مراجعة بعض ما يسمى مسلّمات، خاصة إذا تعارضت مع جوهر الذات الإلهية أو مع الواقع أو المنطق أو سنن الطبيعة. فمثل تلك المسلّمات قد تتحوّل إلى قيود، واليقين غير الممتحَن قد يصبح تعصّبًا.
المعلم الحقيقي هو من يبقى تلميذًا للحياة. يتعلّم من طلابه كما يعلّمهم، يتعلّم من أخطائه كما من نجاحاته، يتعلّم من التجربة كما من الكتاب. لا يرى في الاعتراف بالخطأ ضعفًا، بل نضجًا، ولا يرى في السؤال نقصًا، بل فضيلة.
ولعلّ أعمق ما في هذا المثل الشعبي أنه يربط بين الموت والتعلّم؛ وكأنه يقول إن رحلة المعرفة لا تتوقف إلا بتوقف النفس. فالإنسان الذي يكفّ عن التعلّم، يكفّ عن النمو. والذي يتوهّم أنه بلغ النهاية، يكون قد بدأ في التراجع. فلنقبل أن نكون متعلّمين دائمًا. ولنؤمن أن المعرفة بحر، وأننا مهما اغترفنا منه، يبقى الأفق أوسع.
ولنحفظ في قلوبنا تلك الحكمة البسيطة العميقة:
يموت المعلّم… ولسّا بيتعلّم.



