QFEX 2026
منبر الكلمة

هيبة مجلس النواب… هيبة الدولة تبدأ من هنا

 

عدنان نصّار

“هيبة المؤسسات لا تُصنع بالخوف، ولا تُفرض بالسلطة، بل تُبنى بالثقة، وتترسخ بالعدالة، ويمنحها المواطن حين يرى أن صوته محترم، وأن إرادته مصانة.”
بهذه الحقيقة يمكن قراءة واقع المؤسسة البرلمانية في الأردن، فمجلس النواب لا يستمد هيبته من صفته الدستورية فحسب، وإنما من قدرته على تجسيد الإرادة الشعبية، وممارسة دوره التشريعي والرقابي بكفاءة واستقلالية، وبما يعزز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها.
لا تُقاس هيبة مجلس النواب بارتفاع الأصوات تحت القبة، ولا بعدد الجلسات التي يعقدها، ولا حتى بحجم التشريعات التي يقرها، وإنما تُقاس بمدى ثقة المواطنين به، وبقدرته على تمثيل الإرادة الشعبية، وممارسة دوره التشريعي والرقابي باستقلالية وكفاءة ومسؤولية.
فالبرلمان هو مرآة الدولة، وصورة حية لمدى نضج تجربتها الديمقراطية. وهو المؤسسة التي يلجأ إليها المواطن عندما يبحث عن صوته، أو ينتظر موقفًا يدافع عن مصالحه، أو يمارس من خلالها حقه في مساءلة السلطة التنفيذية. ومن هنا، فإن الحفاظ على هيبة المجلس ليس واجب النواب وحدهم، بل مسؤولية وطنية تبدأ من أداء النائب، وتمر بالإعلام، وتنتهي عند وعي المجتمع وإيمانه بأهمية المؤسسة البرلمانية.
ومن موقعي كصحفي واكبتُ الحياة البرلمانية منذ انتخابات عام 1989، وما أعقبها من تحولات سياسية وتشريعية، أجد أن التجربة تستحق قراءة نقدية مسؤولة. فمنذ عام 1993، تعاقبت تعديلات على النظم الانتخابية، أقرّتها المجالس النيابية المتعاقبة، وأفرزت – في تقديري – مسارًا أسهم في إعادة تشكيل الوعي الجمعي، بل وفي توجيهه بما يخدم أولويات رسمية على حساب ترسيخ ثقافة المشاركة السياسية الواسعة والتمثيل البرامجي. وقد انعكس ذلك على طبيعة الحياة النيابية، وأدوار الكتل السياسية، وعلاقة المواطن بصندوق الاقتراع، فتراجعت الثقة تدريجيًا، وغلبت الاعتبارات الفردية والمحلية على المشاريع الوطنية الجامعة.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية ما تحقق خلال العقود الماضية، بقدر ما يعني أن التجربة بكل محطاتها تستحق مراجعة وطنية صريحة وشجاعة، لأن بناء المستقبل يبدأ من قراءة موضوعية للماضي، والاستفادة من دروسه، والانطلاق نحو إصلاح سياسي يعيد الاعتبار للحياة البرلمانية.
وفي الحالة الأردنية، يمر مجلس النواب اليوم بمرحلة تتطلب استعادة ثقة الشارع، لا من خلال الشعارات أو الخطابات الرنانة، وإنما عبر الأداء الحقيقي والإنجاز الملموس. فالمواطن أصبح أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين العمل البرلماني الجاد وبين المواقف العابرة التي لا تترك أثرًا في حياته اليومية.
إن استعادة هيبة مجلس النواب لم تعد ترفًا سياسيًا، بل أصبحت ضرورة وطنية، لأن هيبة المجلس هي انعكاس مباشر لهيبة الدولة وقوة مؤسساتها. فحين يحظى البرلمان بالاحترام والثقة، ينعكس ذلك على صورة الدولة بأكملها، ويعزز الإيمان بسيادة القانون والمؤسسات. أما عندما تتراجع مكانة المجلس في نظر المواطنين، فإن ذلك ينعكس سلبًا على مجمل الحياة العامة.
ومن هنا، فإن احترام ذكاء الناس ووعيهم لم يعد خيارًا، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة الثقة. فالمواطن الأردني قادر على التمييز بين الإنجاز الحقيقي والخطاب الاستعراضي، وبين المواقف التي تُبنى على المصلحة الوطنية وتلك التي تحكمها الحسابات الضيقة. لذلك، فإن الطريق إلى استعادة هيبة المجلس يبدأ بالصدق مع المواطنين، والشفافية في العمل، وتحمل المسؤولية، والإقرار بأن الثقة تُكتسب بالفعل لا بالشعار.
كما أن هيبة المجلس لا تنفصل عن جودة التشريع، ولا عن فاعلية الرقابة على أداء الحكومات. فالقوانين الرصينة، والنقاشات العميقة، والرقابة الجادة، هي التي تمنح البرلمان مكانته الحقيقية، وتجعل المواطن يشعر بأن صوته ممثل تحت القبة، وأن قضاياه تجد من يحملها بإخلاص ومسؤولية.
والنقد الموضوعي للمجلس لا ينتقص من هيبته، بل يعززها، لأنه يسهم في تصويب المسار وتطوير الأداء. أما الاكتفاء بالمجاملات أو اعتبار كل نقد انتقاصًا من المؤسسة، فلن يؤدي إلا إلى اتساع الفجوة بين المجلس والشارع.
إن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة وطنية شاملة للتجربة البرلمانية والانتخابية، تعيد النظر في المسارات التي أفرزت واقعًا سياسيًا يحتاج إلى تطوير، وبما يعزز الإرادة الشعبية الحرة، ويعيد الاعتبار للحياة الحزبية والبرامجية، ويؤسس لمجلس نواب يمثل المجتمع بكل أطيافه، ويستعيد مكانته الدستورية والسياسية.
ويبقى مجلس النواب أحد أهم ركائز الدولة الأردنية، وستظل هيبته من هيبة الدولة نفسها. وهذه الهيبة لا تُفرض بالنصوص أو البروتوكولات، بل تُبنى بالثقة، وتُصان بالنزاهة، وتترسخ بالأداء. ويمنحها المواطن عندما يشعر أن صوته محترم، وأن إرادته مصانة، وأن وعيه لم يعد هدفًا للتوجيه أو الاحتواء، بل شريكًا أصيلًا في صناعة القرار الوطني.
فالدول القوية تُبنى بمؤسسات قوية، والمؤسسات القوية تُبنى بثقة الناس، ولا ثقة بلا احترام لعقولهم، وصونٍ لإرادتهم، وإيمانٍ بأن المواطن هو مصدر الشرعية، وغاية الإصلاح، وأساس هيبة الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى