
هل أصبح المواطن مطالباً باستهلاك الكهرباء حتى يستحق الدعم؟
بقلم: أ.د. عاطف البواب
القادم أجمل، هذا ما سمعناها من عدة سنوات ومن مصادر رسمية في حكوماتنا ، ما نراه في قرار هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن وهو وقف الاستفادة من التعرفة الكهربائية المدعومة للمشتركين الذين يقل استهلاكهم عن 50 كيلوواط ساعة شهرياً لمدة ثلاثة أشهر متتالية والذي يثير تساؤلات اقتصادية واجتماعية تستحق النقاش، وفي مقدمتها: هل ينبغي أن يرتبط استحقاق المواطن للدعم بحجم استهلاكه للكهرباء، أم بمدى انطباق معايير الاستحقاق عليه؟
إن الهدف المعلن من تنظيم الدعم وتوجيهه إلى مستحقيه هدف مشروع، خصوصاً في ظل الضغوط التي تواجه المالية العامة وضرورة ترشيد الإنفاق. لكن مشروعية الهدف لا تعني بالضرورة أن الأداة المستخدمة لتحقيقه هي الأكثر عدالة وكفاءة، ولا تعفي الجهات المعنية من إثبات جدواها الاقتصادية قبل تطبيقها. وهنا يمكن طرح الاسئلة التالية:
أولاً: هل انخفاض الاستهلاك دليل على عدم استحقاق الدعم؟
إن اعتبار انخفاض الاستهلاك إلى أقل من 50 كيلوواط ساعة لثلاثة أشهر متتالية مؤشراً على أن المنزل غير مأهول قد يكون مقبولاً بوصفه قرينة أولية، لكنه لا يصلح وحده دليلاً قاطعاً. فهناك مواطنون يسافرون لفترات طويلة، وأسر تقيم في منازلها بصورة متقطعة، وأشخاص يملكون مساكن لا يستخدمون فيها الأجهزة الكهربائية إلا بالحد الأدنى، فضلاً عن أسر تحرص على ترشيد الاستهلاك لتخفيف أعبائها المالية.
وهنا يبرز السؤال: هل يُعاقب المواطن عملياً لأنه يقتصد في استخدام الكهرباء؟ وهل يصبح استهلاك الطاقة شرطاً ضمنياً للمحافظة على الدعم، رغم أن السياسة العامة يفترض أن تشجع الترشيد لا أن تجعل المواطن يشعر بأن انخفاض استهلاكه قد يحرمه من ميزة مالية؟
إن العدالة تقتضي التمييز بين الاشتراك غير المستخدم فعلياً والاشتراك الذي يعود إلى منزل مأهول لكنه يستهلك كميات محدودة.
ثانياً: ما الوفر المالي المتوقع من القرار؟
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يؤدي وقف الدعم عن الاشتراكات التي لا تستوفي شروطه إلى تقليل الإنفاق المرتبط بالدعم المباشر. ووفق التعرفة المنشورة على منصة الكهرباء المدعومة، يبلغ الدعم المباشر 2.5 دينار شهرياً لبعض شرائح الاستهلاك، ودينارين لشرائح أخرى. أما التعرفة المدعومة نفسها فتتضمن أسعاراً مخفضة لشرائح الاستهلاك المختلفة.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار سيحقق وفراً نظرياً، بل ما إذا كان هذا الوفر كبيراً ومجدياً مقارنة بتكاليف تطبيق القرار، والتحقق من حالات الاستحقاق، ومعالجة الاعتراضات، وإعادة الدعم عند ثبوت أحقية المشترك.
ولإثبات الجدوى، ينبغي إعلان عدد الاشتراكات التي سيشملها القرار، ومتوسط الدعم الذي كانت تحصل عليه، وإجمالي الوفر السنوي المتوقع، والكلفة الإدارية المرتبطة بالتطبيق. من دون هذه الأرقام، يبقى الحديث عن الوفر تقديراً غير كافٍ للحكم على سلامة القرار.
ثالثاً: هل سينعكس الوفر على بقية المشتركين؟
ليس بالضرورة. فتقليص الدعم المقدم لفئة من المشتركين لا يعني تلقائياً خفض فواتير بقية المواطنين، لأن ذلك يتوقف على آلية تمويل الدعم، وطبيعة الكلف التي تتحملها المنظومة الكهربائية، والقرارات المالية والتنظيمية اللاحقة.
إذا كان الهدف تخفيف الأعباء عن المواطنين، فمن حق الرأي العام معرفة ما إذا كانت الوفورات ستُستخدم لتقليل كلف الكهرباء أو تحسين الخدمات أو تخفيف الأعباء عن الخزينة، أم أنها ستبقى مجرد وفر محاسبي لا يلمس المواطن أثره.
رابعاً: هل من الممكن مراجعة القرار ضرورة إذا غابت الدراسة؟
إن المطلوب من هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن ليس التخلي عن الرقابة على الدعم، بل اعتماد معايير أكثر دقة وعدالة، تتيح التحقق من أن المنزل غير مأهول قبل وقف الدعم، مع توفير آلية اعتراض سهلة وسريعة للمواطنين الذين تتطلب ظروفهم استهلاكاً منخفضاً.
كما ينبغي نشر دراسة مالية واضحة تقارن بين الوفر المتوقع والكلفة الإدارية والاجتماعية للقرار، وتحدد أثره الفعلي على الخزينة وعلى المشتركين. وإذا لم تتوافر دراسة تثبت تحقيق وفر حقيقي ومجدٍ، فإن مراجعة القرار أو تعليقه إلى حين استكمال الدراسة تصبح خطوة منطقية ومسؤولة.
نعم ان القادم افضل ولكن بالنسبة للحكومات المتعاقبة وليس بالنسبة للمواطن، وهنا يبرز سؤال يدور في الذهن من هو الذي يعمل في المكاتب المظلمة على أدمنة قلوب الأردنيين؟ فأينما وجد ما يريح بال المواطن نوعًا ما، يأتيك من يثير فكرة تزعج قريرته وتثير حفيظته، كما حدث من اجراءات عند استخدام الطاقة الشمسية في المنازل والتي بدأت بتخزين كمية من الكيلو واط وبيعها الى شركة الكهرباء ثم صدر القرار بعدم البيع وفوق ذلك تصفير الزائد من المخزن، ومن تقسيم فترات استهلاك الكهرباء باسعار مختلفة لنفس اليوم الى آخره من القرارات التي تعكر صفو عيشة المواطن.
خلاصة القول: إن ترشيد الإنفاق العام ضرورة، لكن العدالة في تطبيقه ضرورة مماثلة. فليس من المنطقي أن يشعر المواطن بأن عليه استهلاك الكهرباء حتى يحافظ على دعمه، بينما يفترض أن تكون السياسة العامة قائمة على تشجيع الترشيد وحماية المستحقين. وعلى الهيئة أن تثبت بالأرقام أن القرار يحقق منفعة مالية حقيقية، لا أن تكتفي بافتراض أن انخفاض الاستهلاك يعني عدم استحقاق الدعم. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي قرار اقتصادي ليس مقدار ما يوفره على الورق فحسب، بل مدى عدالته وفاعليته وانعكاسه الملموس على المالية العامة والمواطن معاً.
