اقتصاد واعمالتكنولوجيا

هكذا يُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل التوظيف في إسبانيا

افاق نيوز- بينما تُقدّم إسبانيا نفسها بوصفها واحدة من أكثر الاقتصادات الأوروبية دينامية من حيث خلق فرص العمل، تكشف بيانات حديثة عن تحوّل لافت في أحد أكثر القطاعات حيوية: التكنولوجيا. فبينما يواصل سوق العمل نموه الإجمالي، بدأت الوظائف الرقمية تفقد زخمها بشكل ملحوظ، ما يثير تساؤلات حول طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصاً في ظل صعود الذكاء الاصطناعي المتسارع.

تشير معطيات مسح القوى العاملة للربع الأول من عام 2026 إلى أن قطاع التكنولوجيا، الذي كان أحد أبرز محركات التعافي بعد جائحة كورونا، دخل مرحلة تباطؤ واضحة، بعد سنوات من التوسع السريع. ويبدو أن هذا التحول لا يرتبط فقط بعوامل اقتصادية ظرفية، بل قد يعكس بداية إعادة هيكلة أعمق في سوق العمل الرقمي. وتظهر أبرز مؤشرات هذا التباطؤ في مجال البرمجة والاستشارات والخدمات المعلوماتية، الذي يُعد العمود الفقري للاقتصاد الرقمي. فقد انخفض عدد العاملين في هذا المجال إلى نحو 512 ألف شخص، أي بتراجع سنوي يقارب 4.4%، في وقت نما فيه إجمالي التوظيف في البلاد بنسبة 2.4%.

وإذا ما قورنت هذه الأرقام بذروة القطاع في منتصف عام 2025، يتضح أن الانخفاض أكثر حدة، حيث فقد السوق أكثر من 42 ألف وظيفة خلال أقل من عام، ما يعادل تراجعاً بنسبة 7.7%. وهي أرقام تعكس تحولاً مفاجئاً في قطاع اعتاد على النمو المتسارع.

ولا يقتصر هذا الاتجاه على البرمجة فقط، بل يمتد إلى قطاعات أخرى، مثل الاتصالات، التي سجلت انخفاضاً يقارب 9.4% في عدد العاملين خلال عام واحد، فضلاً عن تراجع حاد في خدمات المعلومات، التي تشمل معالجة البيانات والمنصات الرقمية، حيث فقدت نحو ثلث وظائفها مقارنة بالعام السابق. الذكاء الاصطناعي يتصدّر فتح هذا التراجع الباب أمام تفسيرات متعددة، أبرزها الدور المتزايد للذكاء الاصطناعي.

فبحسب خبراء ونقابيين، لم يعد تأثير هذه التكنولوجيا مقتصراً على تحسين الإنتاجية، بل بدأ يمتد إلى تقليص الحاجة إلى بعض الوظائف، خصوصاً تلك المرتبطة بالمهام القابلة للأتمتة. في هذا السياق، يشير مختصون في التحول الرقمي إلى أن أدوات جديدة، مثل البرمجة عبر المحادثة مع الأنظمة الذكية، بدأت تقلل الطلب على بعض المهارات التقليدية، ما قد يفسر جزئياً هذا التراجع في التوظيف.

في حديثه لـ”العربي الجديد” يرى أستاذ الاقتصاد الرقمي في جامعة برشلونة المستقلة، خوان رامون غارسيا، أن ما يحدث لا يمكن اختزاله في “استبدال مباشر للبشر بالذكاء الاصطناعي”، بل يتعلق بتحول أعمق في طبيعة سوق العمل. ويوضح أن الشركات أصبحت قادرة، بفضل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، على إنجاز مهام كانت تتطلب سابقاً فرقاً كاملة من الموظفين، خصوصاً في مجالات البرمجة، وخدمة العملاء، وتحليل البيانات، وإنتاج المحتوى.

ويضيف غارسيا لـ”العربي الجديد” أن “التكنولوجيا لا تلغي الوظائف دفعة واحدة، لكنها تقلل تدريجياً الحاجة إلى بعض الأدوار التقليدية، وتدفع الشركات إلى إعادة تنظيم فرق العمل بطريقة مختلفة”، مشيراً إلى أن التأثير الأكبر يظهر حالياً في الوظائف المتوسطة والروتينية، بينما يزداد الطلب بالمقابل على المهارات المرتبطة بالإشراف على الأنظمة الذكية وتطويرها. كما أن موجة إعادة الهيكلة التي شهدتها شركات الاتصالات والاستشارات، بما في ذلك عمليات تسريح جماعي في بعض الحالات، تعزز هذا الاتجاه، في ظل سعي الشركات إلى خفض التكاليف وزيادة الكفاءة عبر الاعتماد على التقنيات الحديثة.

ومن جهتها، تحذر الباحثة في قضايا العمل والتحول الرقمي بجامعة مدريد المستقلة، إيلينا مارتين، في حديثها لـ”العربي الجديد” من أن سرعة انتشار الذكاء الاصطناعي تتجاوز قدرة كثير من القطاعات على التكيف، معتبرة أن “المشكلة لا تكمن فقط في التكنولوجيا، بل في غياب سياسات تدريب وتأهيل كافية للعمال الذين قد يجدون أنفسهم خارج السوق خلال سنوات قليلة”. قراءة مختلفة من الشركات في المقابل، تتبنى الأوساط الاقتصادية والتجارية قراءة أكثر حذراً.

إذ ترى منظمات أرباب العمل في قطاع التكنولوجيا أن ما يحدث لا يعكس تحولاً هيكلياً بقدر ما هو “تصحيح دوري” بعد سنوات من النمو الاستثنائي. وتشير هذه الرؤية إلى أن التباطؤ الحالي قد يكون نتيجة لعوامل مؤقتة، مثل حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي أو قرارات استثمارية ظرفية، وليس بالضرورة نتيجة مباشرة لتأثير الذكاء الاصطناعي.
بل إن هذه الجهات تعتبر أن الذكاء الاصطناعي، على العكس، يمثل فرصة لخلق وظائف جديدة تتطلب مهارات متقدمة، ما يعني أن السوق قد يكون بصدد إعادة توزيع للوظائف، وليس فقدانها بشكل دائم. ما يزيد من تعقيد الصورة هو التباين الواضح بين مصادر البيانات. ففي حين يرصد مسح القوى العاملة تراجعاً في التوظيف التكنولوجي، تشير بيانات الضمان الاجتماعي إلى اتجاه معاكس، مع تسجيل نمو في عدد العاملين في بعض المجالات الرقمية. فوفق هذه البيانات، ارتفع عدد العاملين في أنشطة مثل البرمجة والاستشارات، بينما تراجع فقط في قطاع الاتصالات.
ويعكس ذلك اختلافاً منهجياً بين المؤشرين، إذ يعتمد الأول على استطلاعات ميدانية، بينما يستند الثاني إلى سجلات إدارية. هذا التناقض ليس جديداً في الاقتصاد الإسباني، وغالباً ما يتم تفسيره بفروق في طرق القياس أو بتأخر زمني في انعكاس التحولات الفعلية على البيانات الرسمية. إعادة تشكيل سوق العمل بغض النظر عن التفسير الأقرب إلى الواقع، يبدو أن سوق العمل التكنولوجي في إسبانيا يدخل مرحلة جديدة تتسم بمزيد من التعقيد وعدم اليقين.

فبعد سنوات من النمو السريع المدفوع بالتحول الرقمي والتوسع الكبير في التوظيف داخل قطاع التكنولوجيا، يواجه السوق اليوم تحديين متوازيين: تباطؤا اقتصاديا عالميا يدفع الشركات إلى تقليص النفقات، وثورة تكنولوجية متسارعة تعيد تعريف المهارات المطلوبة وطبيعة الوظائف نفسها. وفي هذا السياق، يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام تباطؤ مؤقت في التوظيف، أم بداية تحول هيكلي طويل الأمد في طبيعة العمل الرقمي؟

في حديثه لـ”العربي الجديد”، يرى المحلل الاقتصادي المتخصص في أسواق التكنولوجيا، كارلوس مولينا، أن الإجابة “تقع في منطقة وسطى بين الأمرين”. ويوضح أن جزءاً من التراجع الحالي يرتبط بدورة اقتصادية طبيعية بعد سنوات من التوسع المفرط في التوظيف، خصوصاً عقب جائحة كورونا، عندما سارعت الشركات الرقمية إلى توظيف آلاف العاملين استجابة للطلب المتزايد على الخدمات الإلكترونية.
لكنه يشير في المقابل إلى أن الذكاء الاصطناعي يفرض تحولاً أعمق وأكثر استدامة، قائلاً إن “الشركات لم تعد تبحث فقط عن عدد أكبر من الموظفين، بل عن موظفين يمتلكون مهارات مختلفة تماماً”. ويضيف أن أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي بدأت تغير طريقة العمل داخل الشركات، ما يقلل الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية، خصوصاً تلك القائمة على المهام المتكررة أو التقنية الأساسية.

ويؤكد مولينا أن المرحلة الحالية تشبه “مرحلة انتقالية بين نموذجين اقتصاديين”، حيث تختفي بعض الوظائف تدريجياً، بينما تظهر في المقابل مهن جديدة مرتبطة بتطوير الأنظمة الذكية، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والإشراف على تقنيات الذكاء الاصطناعي. إلا أن هذا الانتقال، بحسب قوله، “لن يكون سلساً أو سريعاً”، ما قد يؤدي إلى فجوة مؤقتة في سوق العمل، يشعر خلالها كثير من العاملين بأن مهاراتهم أصبحت أقل طلباً مما كانت عليه قبل سنوات قليلة. وفي ظل هذه التحولات، يحذر خبراء من أن التحدي الأكبر لن يكون فقط في خلق وظائف جديدة، بل في قدرة أنظمة التعليم والتدريب على مواكبة السرعة التي يتغير بها القطاع التكنولوجي، خصوصاً مع تسارع اعتماد الشركات على أدوات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات.

زر الذهاب إلى الأعلى