ذاكرة الاعلام

هدية ميرزا – “ماما هدية”: صوت الطفولة في الإذاعة الأردنية

في ذاكرة الطفولة الأردنية، يظل صوت هدية ميرزة حيًا، ناعمًا، ومفعمًا بالحب والحنان. كانت الإذاعة الأردنية في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين النافذة الوحيدة التي تطل منها الكلمات على بيوت الناس، وتخصّ الأطفال بصوت مميّز لا يُنسى. وقد كانت هدية ميرزة، عبر برنامجها الشهير “دنيا الأطفال”، ذلك الصوت الذي احتضن أجيالًا، قدّم لهم الترفيه والتوعية، وغرس فيهم قيماً خالدة.
التحقت هدية ميرزة مبكرًا بـ إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، في فترة كانت فيها الإذاعة هي المنصة الأبرز في الوطن العربي لنشر الثقافة والمعرفة والتواصل مع المجتمع. تميزت هدية بصوت دافئ وطبقة خطابية مريحة ومحببة للأطفال، مما جعلها الخيار المثالي لتقديم برامج الأطفال.
لم تكن بداياتها عادية؛ إذ سرعان ما أسندت إليها مسؤولية إعداد وتقديم البرنامج الأسبوعي للأطفال الذي حمل اسمًا أصبح جزءًا من وجدان جيل كامل: “دنيا الأطفال”.
“دنيا الأطفال”: رسالة تربوية وذاكرة وطنية
كان برنامج “دنيا الأطفال” يُبث أسبوعيًا، واستمر لعقود، حتى صار موعدًا ثابتًا في ذاكرة العائلات الأردنية. لم يكن مجرد فقرات ترفيهية، بل كان يحمل في طياته:
قصصًا شعبية وقيمية تُروى بصوت “ماما هدية” فتسحر آذان الأطفال.
أناشيد تربوية تُغنّى بأسلوب بسيط يساعد على الحفظ والفهم.
أسئلة ومسابقات ذهنية تُنمّي ملكات التفكير واللغة.
استضافة أطفال موهوبين، لتشجيعهم على المشاركة وإبراز مواهبهم أمام جمهور عريض.
توعية اجتماعية مبكرة حول النظافة، الصدق، التعاون، حب الوطن، والأخلاق الحميدة.
لم تكن فقرات البرنامج معلبة أو تقليدية، بل كانت تشبه مجلسًا عائليًا يلتف فيه الأطفال حول أمهم، يستمعون ويجيبون ويتفاعلون.
في زمن لم تكن فيه الشاشات قد غزت البيوت، صار صوت هدية ميرزة معروفًا في كل بيت، وأطلق عليها الأطفال لقب “ماما هدية”، ليس فقط لأنها تخاطبهم بلغة قريبة، بل لأنها تعاملهم كأبنائها، تستمع إليهم، وتحتفي برسائلهم، وتناديهم بأسمائهم، وتشجعهم على الإبداع.
صوتها لم يكن فقط جسرًا بين المذيعة والمستمع، بل كان جسرًا تربويًا وإنسانيًا بين جيل بأكمله ومفاهيم الطفولة الآمنة، المشجعة، المليئة بالحب والثقة.
أثرت هدية ميرزة المشهد الإعلامي من خلال:
نشر أدب الطفل الأردني والعربي، عبر سرد القصص المستوحاة من تراثنا.
تعزيز الهوية الوطنية واللغة العربية، من خلال استخدام فصيح مبسّط.
تطوير ثقافة الاستماع الإيجابي عند الأطفال.
بناء علاقة تفاعلية نادرة بين الإعلام والطفل في ذلك الزمن.
العديد من الأطفال الذين استمعوا لها أصبحوا اليوم كتّابًا، مذيعين، أطباء، ومهندسين، ولا يزالون يذكرون كيف أن “ماما هدية” كانت أول من أشعل فيهم جذوة الخيال والطموح.
رغم غياب الأرشيف الإذاعي الكامل، إلا أن أثر هدية ميرزة ما يزال حاضرًا في ذاكرة المستمعين، والذين غالبًا ما يستعيدون ذكرياتهم معها على منصات التواصل الاجتماعي. ما قدّمته لا يُقاس فقط بعدد الحلقات، بل بعمق الأثر التربوي، والثقة التي زرعتها في أجيال كاملة.
في عصر سادت فيه الصورة، بقي صوت هدية ميرزة يُستدعى من زمن الطفولة الجميل. كانت إعلامية من طراز نادر، عرفت كيف تكون قريبة من الطفل، بلا تصنع أو إملاء. كانت تُعلّم وتُسلي وتُربّي، فاستحقت أن تكون “أم الطفولة الأردنية الإذاعية”.
رحلت هدية ميرزة عن الأثير، لكن صوتها لا يزال حيًا في ذاكرة من استمع إليها ذات صباح بعيد، وهو يتناول فطوره، في انتظار الحكاية والأغنية والسؤال.
عماد الشبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى