QFEX 2026
منبر الكلمة

نصير يكتب : مهرجان جرش… فلننظر إليه بعين الوطن لا بعين المزاج

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

في كل عام، ومع اقتراب انطلاق مهرجان جرش، تتكرر ذات الأصوات، وذات الاعتراضات، وذات النقاش الذي يكاد يُنسخ ويلصق منذ سنوات ، وكأن المهرجان لم يعد فعالية ثقافية وسياحية، بل موسمًا سنويًا للخلاف.

أما أنا، فأرى أن إقامة مهرجان جرش في هذا التوقيت، وسط ما تمر به المنطقة من ظروف دقيقة وحساسة، تحمل رسالة مهمة للعالم قبل أن تكون رسالة لنا.

رسالة تقول إن الأردن، رغم كل ما يحيط به، ما زال واحة أمن واستقرار، وما زال قادرًا على أن يستقبل ضيوفه، ويحتفي بثقافته، ويقدم صورته الحقيقية بعيدًا عن ضجيج المنطقة.

لم أحضر فعاليات المهرجان هذا العام، لكنني تابعت آراء الحضور، والفنانين، والإعلاميين، والضيوف، ووجدت إجماعًا كبيرًا على أن الدورة الحالية من أنجح الدورات تنظيمًا وإدارةً.

وهذا يحسب لكل من عمل عليها، وفي مقدمتهم وزارة الثقافة، وإدارة المهرجان، وكل الفرق التي وقفت خلف هذا النجاح.

والشكر موصول لمعالي وزير الثقافة، وللمدير التنفيذي يزن الخضير، ولكل من ساهم في أن تبقى جرش بهذا الحضور.

أربعون عامًا ليست رقمًا عابرًا، أربعون عامًا جعلت من مهرجان جرش اسمًا محفورًا في ذاكرة الفن العربي، ومن مسرحه حلمًا لكثير من الفنانين العرب الذين يتمنون الوقوف عليه.

ولم يعد المهرجان مجرد حفلات غنائية، بل أصبح جزءًا من هوية الأردن الثقافية والسياحية، ووجهة يقصدها آلاف الزوار من داخل المملكة وخارجها.

ثم دعونا ننظر للصورة كاملة. كم فندق امتلأ؟ كم مطعم انتعش؟ كم سائق تكسي عمل؟ كم شاب وجد فرصة مؤقتة؟ كم حرفي وبائع ومنتج محلي استفاد؟ وكم فنان أردني وجد مساحة ليقدم نفسه أمام جمهور عربي واسع؟ هذه أيضًا نتائج يجب أن تُحسب، لأنها جزء من الاقتصاد الوطني، وجزء من الحركة التي يصنعها المهرجان.

ليس مطلوبًا أن يعجبنا كل شيء، وليس ممنوعًا أن ننتقد، لكن من الظلم أن نقيس قيمة مهرجان وطني بحجم جرش فقط من زاوية ما إذا كنا استفدنا منه شخصيًا أم لا.

فالوطن لا يُدار بمنطق المصلحة الفردية، وإنما بمنطق المصلحة العامة.

قد لا تكون حاضرًا، وقد لا تشتري تذكرة، وقد لا يهمك الغناء أصلًا، لكن هناك عشرات الآلاف يجدون في جرش مساحة للفرح، والثقافة، والسياحة، والاقتصاد، وصورة جميلة للأردن أمام العالم.

فلنختلف كما نشاء، ولكن لنكن منصفين، وعندما ينجح مشروع وطني في تقديم الأردن بصورة تليق به، فمن الإنصاف أن نقول: أحسنتم… ثم نطالب بتطويره ليصبح أفضل، لا أن نطالب بإلغائه.

لأن الأوطان تكبر بما يجمع أبناءها، لا بما يفرقهم.

زر الذهاب إلى الأعلى