QFEX 2026
منبر الكلمة

نصير يكتب : مظاهر بلا معنى

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

اصبحت بعض المظاهر التي بدأت تتسلل إلى حياتنا العامة تسبب الغثيان ، حتى اصبح المظهر يبتلع الجوهر في أكثر من مناسبة، من تعيين مسؤول، إلى جاهة، إلى عرس، وكأن الشكل وحده أصبح كافيًا ليقول للناس..ها انا ذا و هذا ربعي وعزوتي وسندي وهو الظاهر فقط .

من ينجح في امتحان الثانوية العامة ، أو يتخرج من جامعه او كلية او معهد دراسي ، أو يفوز في انتخابات أو منافسة، فقد تعب وثابر ونافس واستحق أن يفرح واستحق  وأن يبارك له الناس، أما التعيين في موقع عام فليس فوزًا على الآخرين، ولا شهادة بأن من وقع عليه الاختيار هو الأفضل بينهم.

فالأصل في الوظيفة العامة أنها تكليف لا تشريف، وحين يصدر قرار بتعيين مسؤول أو نقله أو ترقيته، فإن الدولة لم تمنحه كأس بطولة، ولم تعلن أنه تفوق على أبناء الوطن، وقد يكون في هذا الوطن مئات، بل آلاف، ممن يمتلكون الكفاءة ذاتها وربما أكثر، لكن الأقدار والظروف والنصيب أوصلته هو إلى هذا الموقع في هذه اللحظة.

وما ينطبق على التعيينات ينطبق أيضًا على الجاهات ،  فالجاهة في أصلها عادة اجتماعية نبيلة لطلب النسب، لكنها اليوم بدأت تفقد مضمونها الأصلي، واصبحت تقاس بعدد الحضور ومن طلب ومن أعطى  ومن تقدم الصفوف، حتى تحولت في بعض الأحيان من فعل اجتماعي أصيل إلى مهرجان للتفاخر.

اما الأعراس فحدث ولا حرج والتي كان الأصل فيها الإشهاروالفرح  أصبحت اليوم عند البعض مناسبة تقاس بعدد الحضور وحجم الإنفاق، حتى تحول الزفاف من فرحة عائلة وبداية حياة جديدة إلى استعراض لا يخدم الزوجين بقدر ما يخدم نظرة الآخرين إليهما، وقد يصل الإسراف والتبذير فيها إلى حدود لا يقبلها عقل ولا يرضاها دين، مع أن وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، بانتشارها الواسع، أصبحت تحقق الإشهار خلال دقائق وبما لم يكن متاحًا للأجيال السابقة.

لسنا ضد الفرح، ولا ضد أن يبارك الناس لبعضهم، ولا ندعو إلى التخلي عن عاداتنا الاجتماعية الجميلة، بل العكس، نحن بحاجة إلى حمايتها من المبالغة التي تفرغها من مضمونها.

فالأصل في كل هذه المناسبات المعنى، و اذا لم يبقَ المعنى شيء، فلن يبقى من كل هذا الاحتفال إلا صورة فارغة سرعان ما تنسى.

زر الذهاب إلى الأعلى