نصير يكتب : عندما يُساء فهم الدولة فمن يحاسب من ؟ الدولة ليست دائرة علاقات
خلط الأدوار أخطر من الخلاف

د. خلدون فرحان نصير / المدير المسؤول
الخميس ٢٠٢٦/١/٨
بعد مراقبة ردود الفعل التي أعقبت السجال النيابي الأخير، وما رافقها من تعليقات وانفعالات خارج سياق النقاش العام، كان لا بد من التوقف لا للانحياز، بل للفهم. نحن نتابع ثم نحكم، نقرأ المشهد كاملًا، ولا نتعامل مع السياسة كخبرٍ آنيٍّ مبتور أو مادة للتجييش اللحظي.
ما حدث كشف بوضوح أن المشكلة لم تكن في سؤالٍ نيابي ولا في ردٍّ وزاري، بل في سوء فهمٍ خطير لمعنى الدولة ووظائفها. فحين يتحول الوزير من مسؤول عام إلى “شخص يجب الدفاع عنه”، وحين يُصوَّر النائب الذي يمارس دوره الرقابي كخصم أو صاحب غاية خفية، نكون قد انتقلنا من منطق الدستور إلى منطق العلاقات، ومن الدولة إلى ما يشبهها شكلًا ويخالفها مضمونًا.
الوزير، أيًّا كان اسمه أو موقعه، لا يمثل أصدقاءه ولا محيطه ولا جغرافيته. هو في موقع تنفيذي مؤقت، مُعرّض بطبيعته للسؤال والنقد والمساءلة. انتقاد أدائه لا يعني الطعن في شخصه، ولا الإساءة لمن حوله، بل هو فعل صحيّ في أي نظام يحترم نفسه. أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو تحويل المسؤول العام إلى حالة “محصّنة اجتماعيًا” لا تُمسّ ولا تُسأل.
وفي المقابل، النائب لا يؤدي دورًا عدائيًا حين يسأل، ولا يتجاوز حدوده حين يُحاسب. أدوات الرقابة البرلمانية ليست ترفًا سياسيًا، بل صمام أمان. لولا السؤال والاستجواب والضغط العلني، لتغوّلت السلطة التنفيذية، ولتحولت الوزارات إلى جزر مغلقة، لا تُراجَع ولا تُقوَّم. من يهاجم النائب لأنه مارس حقه، إنما يهاجم فكرة البرلمان ذاتها، حتى لو لم يدرك ذلك.
الأكثر خطورة هو اللجوء السريع إلى تشويه الدوافع: اتهام النائب بالمصلحة الخاصة كلما فتح ملفًا حساسًا. هذا منطق يُفرغ الرقابة من معناها، ويجعل الصمت هو الخيار الآمن، والمجاملة هي القاعدة. الدولة لا تُدار بالنيات المفترضة، بل بالوقائع، ولا تُحمى بالصراخ، بل بالشفافية والإجابة المقنعة.
لسنا هنا للدفاع عن شخص، ولا للهجوم على آخر. نحن أمام مبدأ يجب أن يكون واضحًا: المسؤول يُحاسَب لأنه مسؤول، والنائب يُحترم لأنه يحاسب. وأي مجتمع يخلط بين الدورين، سيجد نفسه عاجزًا عن حماية الدولة حين تحتاج الحماية فعلًا.
الطريق إلى دولة ناضجة لا يمر عبر الاصطفاف، بل عبر الوعي. وعيٌ يفصل بين المنصب وصاحبه، وبين السؤال والتخوين، وبين النقد والهدم. وعيٌ يدرك أن قوة الوزير في قدرته على الإجابة، لا في عدد المدافعين عنه، وأن قوة النائب في ممارسته لدوره، لا في صمته.
نحن نتابع، نحلل، ثم نكتب. لا ننجرف وراء أخبار بايتة ولا خلف انفعالات عابرة، لأن الدولة لا تُبنى بالضجيج، بل بالفهم.








