منبر الكلمة

نصير يكتب : عندما يخطئ المسؤول في فهم الصحافة… يبدأ الخطر على الدولة

الخميس 22/1/2026

المشكلة في هذا البلد لم تعد في غياب المعلومة، بل في سوء فهمها. ولم تعد في النقد، بل في طريقة تلقيه. فكلما كُتب مقال نقدي بحق مؤسسة أو مسؤول، تحوّل الأمر فورًا – عند البعض – من نقاش عام إلى معركة شخصية، ومن سؤال مشروع إلى “استهداف”، ومن دور صحفي إلى “تصفية حسابات”.
وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة الحقيقية.

الصحافة ليست خصمًا،

وليست طرفًا في صراع، وليست مكتب علاقات عامة لأحد.

الصحافة سلطة رقابية، وجدت لتسأل، لتشير إلى الخلل، لتفتح الملفات، وتضع الوقائع أمام الرأي العام. انتقاد مؤسسة لا يعني الطعن في شخوصها، وتسليط الضوء على خلل إداري أو تشريعي لا يعني العداء للمسؤول القائم عليها.

لكن ما يحدث في كثير من الأحيان هو العكس تمامًا:
مسؤول لا يحتمل النقد، محيط يضخّم المسألة، همس، إشاعات، اتهامات جاهزة بأن “هذا الموقع لديه خلاف”، أو “هذا الصحفي مستهدف”، أو “هناك أجندة خفية”.

هكذا تُقتل الفكرة، ويُشوَّه النقاش، ويُفرغ العمل الصحفي من مضمونه.
الأخطر من النقد هو تجريم النقد.
والأخطر من الخطأ هو منع الإشارة إليه.

من لا يفهم دور الصحافة، لا يصلح أن يكون في موقع مسؤولية عامة. لأن المسؤولية تعني الخضوع للمساءلة، لا الهروب منها. تعني الاستماع، لا التحريض. تعني الرد بالحجة، لا بالتصنيف. الدولة لا تُدار بحساسية شخصية، ولا تُحمى بإسكات الأصوات، بل بتصويب المسار.

والحقيقة الواضحة التي يجب أن تُقال بلا مواربة:
الصحافة حين تنتقد، تمارس حقًا، وحين تُخطئ، تُحاسَب بالقانون، لا بالإشاعة، ولا بالتخوين، ولا بتجييش العلاقات.
نعم، للمؤسسات والمسؤولين حق الرد والتفسير والتوضيح، وهذا حق مقدّس، بل واجب. لكن ليس لهم حق مصادرة الرأي الآخر، ولا تشويه النوايا، ولا تحويل النقاش العام إلى صراع شخصي. من لا يملك ردًا مهنيًا، يلجأ للهجوم، ومن لا يملك تفسيرًا، يبحث عن شماعة.

نحن لا نطلب حصانة للصحافة، بل نطلب فهمًا لدورها.
ولا نبحث عن صدام، بل عن تصويب.
ولا نكتب بدافع الخصومة، بل بدافع المسؤولية.
اتركوا مساحة للرأي والرأي الآخر.
افصلوا بين النقد والتجريح.
افهموا أن الصحافة ليست عدوكم، بل مرآة أدائكم.
ومن يخاف المرآة، فالمشكلة ليست فيها… بل فيما تعكسه.

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

الصحافة ليست خصمًا
الصحافة ليست خصمًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى