اخر الاخبارمنبر الكلمة

نصير يكتب : عمرة الجديدة بين الترويج والواقع

مدينة بلا مخطط… واستثمار يُطلب قبل أن تُعرَّف المدينة

د. خلدون نصير
الناشر والمدير العام – آفاق نيوز

التسمية قبل التعريف
في الأردن، لم يعد الحديث عن “مدينة جديدة” يمرّ مرور الكرام. فالمواطن، قبل أن يسأل عن الفكرة، يسأل عن التجربة، وقبل أن يستمع للتصريحات، يستحضر الذاكرة. ومن هنا، فإن مشروع “مدينة عمرة الجديدة”، كما طُرح في الإعلام، لا يمكن فصله عن سياق طويل من الإعلانات الكبيرة التي سبقت التخطيط التفصيلي، أو لم تصل إلى التنفيذ كما أُعلن.
حتى هذه اللحظة، وبحسب ما هو متاح للرأي العام، لم يُعرض مخطط شمولي تفصيلي معلن يعرّف عمرة بوصفها مدينة مكتملة الأركان، ذات هوية واضحة، وتقسيم إداري، واستعمالات أراضٍ، وبنية تحتية، ورؤية اقتصادية متكاملة. الحديث عن مدينة دون هذا الإطار ليس خلافًا في المصطلحات، بل إشكالية في المنهج، _لأن المدن لا تُعرّف بالنوايا ولا بالعناوين، بل بالوثائق والمخططات المعتمدة .

مدخل واحد ومخاطر مبكرة

وفق ما طرحه مختصون خلال النقاشات الإعلامية، فإن المدينة تعتمد على مدخل واحد فقط، يقع على زاوية تشكل خطورة مرورية، إضافة إلى أن المشروع ما زال مفصولًا عن الطريق العام بأراضٍ غير منظمة. هذا الواقع لا يُعد تفصيلًا فنيًا ثانويًا، بل مسألة جوهرية في التخطيط الحضري، لأن المدخل هو عنصر أمان وربط وسيطرة، وليس مجرد نقطة عبور.
المدينة التي تبدأ بمدخل واحد خطر، وتفتقر إلى تعددية المنافذ الآمنة، تبدأ بعكس المنطق التخطيطي، وتضع نفسها منذ اللحظة الأولى أمام إشكالات مرورية وتنظيمية يصعب معالجتها لاحقًا.

المياه لا تنتظر التصريحات

وجود وادٍ مائي ضمن أو بمحاذاة المشروع، دون عرض مخطط واضح لإدارة السيول وتصريف المياه، يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة دفع فيها الأردنيون ثمن تجاهل هذا الملف. فالماء لا يعترف بالبيانات الصحفية، ولا ينتظر اكتمال المشاريع الرمزية، بل يسلك طريقه الطبيعي عند أول موسم مطري.

أي مشروع حضري لا يضع ملف المياه في مقدمة أولوياته التخطيطية، إنما يؤجل الأزمة بدل أن يمنعها.

مدينة بلا اقتصاد واضح

حتى الآن، لا يظهر للرأي العام* تصور اقتصادي يجيب بوضوح عن سؤال بسيط ومباشر: _أين سيعمل سكان هذه المدينة؟_ فإذا كانت المدينة ستعتمد في فرص العمل على عمّان والزرقاء، فنحن لا نتحدث عن مدينة مستقلة، بل عن تجمع سكني جديد يضيف ضغطًا مروريًا واقتصاديًا على مدن قائمة أصلًا.

_المدينة لا تُقاس بعدد الأبنية_ ، بل بقدرتها على توليد فرص العمل، وبناء اقتصاد محلي، وتحقيق توازن بين السكن والإنتاج.

الحوكمة الرمادية وفقدان الثقة

الأكثر إثارة للقلق هو نموذج الحوكمة المطروح. فالدولة هي صاحبة المشروع، بينما تتولى إدارته شركة استثمار حكومية أو شبه حكومية، ثم يُعلن عن طرحه لاحقًا أمام القطاع الخاص. هذا النموذج الهجين لا يمنح المشروع روح القطاع الخاص التنافسية، ولا يخضعه بالكامل لمنطق الإدارة الحكومية التقليدية، ويخلق منطقة رمادية يصعب معها تحديد المسؤوليات والمساءلة.

وفي بلد يعاني أصلًا من فجوة ثقة بين المواطن والحكومة، فإن هذا النموذج لا يطمئن المستثمر، ولا يقنع المواطن، ولا يعزز الشفافية.

الاستثمار قبل الرؤية

الإعلان عن البدء بمشاريع كبرى، كاستاد رياضي ضخم ومدينة معارض ومؤتمرات،* قبل عرض الرؤية الشمولية الكاملة للمدينة، يعكس ترتيبًا مقلوبًا للأولويات. فالاستثمار الجاد لا يُستدعى بالشعارات، ولا يُبنى على الغموض، ولا يبدأ من المشاريع الرمزية قبل اكتمال الإطار التخطيطي والاقتصادي الذي يبرر وجودها.

المستثمر الحقيقي لا يضخ أمواله في فكرة لم تُعرّف بعد، ولا في مدينة لم تتضح ملامحها.

والسؤال الذي يطرح ولا يحب له أحداً ان يظهر لماذا لا يثق الأردني ؟

هذا الحذر ليس وليد اللحظة. ففي حكومات سابقة، سمع الأردنيون عن مدن جديدة، وعواصم إدارية، ومشاريع كبرى، بقي كثير منها حبيس الورق، أو انتهى إلى تجارة أراضٍ، أو تلاشى مع تغيير الحكومات. لذلك، حين يُعلن اليوم عن مدينة جديدة، فإن السؤال الطبيعي ليس ما الفكرة، بل ما الذي يضمن ألا تتكرر التجربة نفسها.

وفي النهاية نصرح ولا نقول نحن

لسنا ضد المدن، ولا ضد التطوير، ولا ضد الاستثمار.

نحن ضد الغموض، وضد التسمية قبل التعريف، وضد تكرار الأخطاء ذاتها مع توقع نتائج مختلفة.

إن كانت عمرة مدينة، فلتُعرض مخططاتها الشمولية، وبنيتها، واقتصادها، وحوكمتها بوضوح أمام الناس.

وإن لم تكن بعد، فالأمانة تقتضي أن تُقدَّم كما هي، مشروعًا قيد الدراسة، لا مدينة مكتملة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى