نصير يكتب … حين تُسرق الإنجازات بصيغة الشكر: بلدية بني عبيد ومحاولة القفز فوق الحقيقة

د. خلدون نصير / المدير المسؤول
ليس كل شكرٍ بريئًا، وليس كل بيانٍ رسميّ يعكس الحقيقة. ففي بعض الأحيان، يتحوّل “الشكر” إلى أداة ناعمة لطمس الجهود الحقيقية، وإعادة تدوير الوقائع بما يخدم صورة جهة لم تكن حاضرة إلا بعد إعلان النتائج.
الخبر الذي نشرته بلدية بني عبيد حول إدراج لواء بني عبيد ضمن مدن وألوية الثقافة الأردنية لعام 2026 يكشف خللًا جوهريًا لا يمكن تجاهله، يتمثل في الخلط الفادح بين مفهوم الاختيار ومفهوم الفوز، وكأن الأمر مجرد قرار إداري أو تسمية دورية، لا نتيجة منافسة حقيقية ومعايير وتقييم وملفات خضعت للمفاضلة.
والحقيقة التي يعرفها معظم أبناء اللواء، ويعرفها الوسط الثقافي، أن لواء بني عبيد لم يتم اختياره… بل فاز.
فاز وسط منافسة حادة، وملفات قوية، ومعايير صارمة، ولم يكن ذلك محض صدفة، ولا منحة، ولا مجاملة.
هذا الخلط غير البريء أفرغ الإنجاز من معناه، ومهّد لبيان شكر واسع وفضفاض، شمل جهات لا علاقة مباشرة لها بإعداد الملف، في مقابل تجاهلٍ كاملٍ ومقصودٍ للجهة التي تولّت العبء الحقيقي للعمل من بدايته حتى لحظة الفوز.
الملف أُعِدّ بجهد مهني واضح، وبرؤية متكاملة، وبمساعدة محدودة ومقدّرة من بعض الهيئات الثقافية في اللواء، بينما تولّت شركة آفاق كامل أعمال التصميم، والإخراج، والصياغة، والهوية البصرية، وهي تفاصيل يعرفها كل من تابع مراحل الإعداد أو اطّلع على النسخة النهائية للملف.
أما البلدية، التي لم تقدّم دعمًا فعليًا يُذكر خلال مرحلة الإعداد، فقد اختارت بعد إعلان الفوز أن تتصدّر المشهد، وأن تتعامل مع النتيجة وكأنها “اختيار”، في قفز واضح فوق حقيقة المنافسة، وفوق جهود من عملوا تحت ضغط الوقت والمعايير.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا وملحًّا:
لو كان ما حدث “اختيارًا”، فلماذا قُدّمت ملفات؟
ولماذا شُكّلت لجان؟
ولماذا كانت هناك منافسة وتقييم ومفاضلة؟
التعامل مع الفوز على أنه اختيار ليس خطأ لغويًا فقط، بل تقصير مهني وإعلامي، لأنه يسطّح الإنجاز، ويشوّه الحقيقة، ويحوّل استحقاقًا ثقافيًا إلى مادة علاقات عامة.
القضية هنا ليست نزاعًا على أضواء أو مجد شخصي، بل مسألة أمانة واحترام للجهد وصدق مع الناس.
فالإنجاز حين يُنسب لغير أصحابه، أو يُفرغ من مضمونه الحقيقي، لا يسيء للأفراد فقط، بل يسيء للواء، وللفكرة الثقافية نفسها.
أبناء لواء بني عبيد يعرفون الفرق جيدًا بين من كان حاضرًا وقت العمل، ومن ظهر بعد الفوز، ويعرفون أن الثقافة لا تُدار بالبيانات، ولا تُختصر بالشكر المتأخر، بل تُبنى بالفعل، والصدق، والاعتراف بالحقائق كما هي.
ولو كانت البلدية حريصة فعلًا على الثقافة، لبدأت بالدقة أولًا، وبالتمييز بين الفوز والاختيار ثانيًا، وبالاعتراف بصنّاع الإنجاز ثالثًا…
أما القفز فوق الحقيقة، فلن يغيّرها، لأن الناس هنا تعرف، وتفرّق، ولا تُخدع.



