منبر الكلمة

نصير يكتب : حين تصوّت الشعوب ضد الظلم… من غزة إلى واشنطن وتل أبيب

بقلم: الدكتور خلدون نصير

لم تكن نتائج الانتخابات الأخيرة في الولايات المتحدة وإسرائيل مجرد أرقام توزعت بين الأحزاب، ولا مجرد مقاعد خسرها هذا الطرف وربحها الآخر، بل حملت في تقديري رسالة سياسية وأخلاقية تستحق أن يقرأها العالم جيداً، خصوصاً أولئك الذين اعتقدوا أن القوة العسكرية قادرة على إسكات الشعوب إلى الأبد.

لقد تعب العالم من الحروب، وتعب من الظلم، ومن مشاهد الأطفال تحت الأنقاض، ومن الأمهات اللواتي يبحثن عن أبنائهن بين الركام، ومن مدن تتحول إلى مقابر، ومن قادة يتحدثون عن السلام وهم يواصلون إرسال السلاح وإشعال الحرائق.

من غزة التي دفعت ثمناً إنسانياً يفوق الوصف، إلى لبنان الذي عرف مرارة الدمار والنزوح، وصولاً إلى الحرب مع إيران وما حملته من اضطرابات اقتصادية امتدت إلى أوروبا والعالم، تراكمت مشاهد الألم والغضب، حتى بات من الصعب فصل السياسة عن الضمير الإنساني.

والسؤال الذي ينبغي أن يواجهه ترامب ونتنياهو اليوم ليس كم معركة خاضا، ولا كم صاروخاً أطلقا، بل كم إنساناً فقد حياته، وكم أسرة فقدت بيتها، وكم طفلاً حُرم من مستقبله، وكم شعباً دفع ثمن قرارات لم يكن شريكاً في اتخاذها؟

في الولايات المتحدة، جاءت خسارة الجمهوريين صفعة سياسية لترامب، الذي وعد الأميركيين بالازدهار والاستقرار، فإذا بالحرب مع إيران وتكاليف المعيشة والأزمات الداخلية تتحول إلى أعباء ثقيلة على المواطنين.

أما في إسرائيل، فقد خرج نتنياهو من الانتخابات دون أغلبية برلمانية تضمن له الحكم منفرداً، رغم كل ما قدمه من خطاب القوة والأمن والانتصارات. والمفارقة أن الأحزاب العربية حصدت تسعة عشر مقعداً، لتصبح رقماً يصعب تجاهله في الحسابات السياسية المقبلة.

ولا أقول إن الناخب الأميركي صوّت من أجل غزة وحدها، أو إن الناخب الإسرائيلي عاقب نتنياهو تضامناً مع الفلسطينيين، فلكل مجتمع حساباته ومصالحه ومخاوفه ، لكنني أرى أن الحروب وما خلّفته من دماء وأزمات وخسائر كانت جزءاً من المناخ الذي جرت فيه هذه الانتخابات، وأن نتائجها تستحق القراءة بعيداً عن أوهام الانتصارات العسكرية.

لقد اعتقد البعض أن امتلاك القوة يمنح صاحبها الحق في استخدامها دون حساب، وأن التفوق العسكري يصنع الشرعية، وأن الشعوب تنسى الظلم إذا طال الزمن ، لكن التاريخ علمنا أن القوة قد تحتل الأرض، لكنها لا تستطيع احتلال الضمير.

وأكثر ما يؤلمنا أن العالم الذي يتحدث صباحاً عن حقوق الإنسان، يجد مساءً المبررات لمقتل الأبرياء، وأن عواصم ترفع شعارات الحرية والعدالة تغض الطرف عن المآسي حين يكون مرتكبها حليفاً سياسياً. أي عدالة هذه التي تتغير معاييرها بتغير الجغرافيا؟ وأي ضمير عالمي يقبل أن تكون دماء الأطفال في مكان أغلى من دمائهم في مكان آخر؟

إننا لا نبحث عن انتقام من شعب، ولا نحمّل الأميركيين أو الإسرائيليين جميعاً مسؤولية قرارات حكوماتهم، بل نطالب بعالم لا تكون فيه حياة الإنسان رهينة لمصالح السياسيين، ولا تتحول فيه حقوق الشعوب إلى أوراق تفاوض على طاولات القوى الكبرى.

وما جرى في صناديق الاقتراع قد يكون بداية مراجعة سياسية أوسع، لكنه ليس نهاية الطريق، فالظلم لا يسقط بمجرد خسارة انتخابية، والعدالة لا تتحقق بمجرد تغيير حكومة.

وإن كانت هذه الانتخابات قد حملت رسالة واحدة تستحق أن تصل إلى واشنطن وتل أبيب، فهي أن الشعوب ليست أرقاماً في تقارير الحروب، وأن كرامة الإنسان ليست منحة من رئيس أو حكومة، وأن الشعوب قادرة على محاسبة قادتها، وأن القوة مهما بلغت لا تمنح أصحابها حصانة دائمة من المساءلة.

فالعالم لم يعد يحتمل مزيداً من الفجور السياسي، ولا مزيداً من الظلم الذي يُرتكب باسم الأمن، ولا مزيداً من الحروب التي تُخاض باسم السلام.

ولعل أعظم هزيمة يمكن أن يتعرض لها أي حاكم ليست أن يخسر مقعداً أو سلطة، بل أن ينتصر في معاركه العسكرية ويخسر ضمير الإنسانية.

زر الذهاب إلى الأعلى