
نصير يكتب : الفوضى من باريس إلى تيرانا.. هل بدأت أوروبا تدفع ثمن أزماتها الاقتصادية والسياسية؟
د. خلدون نصير / المدير المسؤول
لم تعد مشاهد الاحتجاجات والاضطرابات في الشوارع الأوروبية مجرد أحداث متفرقة يمكن تفسيرها بخلافات سياسية أو مطالب نقابية عابرة. فما تشهده فرنسا والبرتغال وألبانيا وإيطاليا وبلجيكا يطرح تساؤلات أعمق حول التحولات التي تمر بها المجتمعات الأوروبية، ومدى قدرة حكوماتها على مواجهة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة.
واللافت أن هذه الاضطرابات تظهر في دول ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بصورة الاستقرار السياسي والاجتماعي، ولم يكن متوقعاً أن تصل فيها حالة الغضب الشعبي إلى هذا المستوى. فالمواطن الذي اعتاد على منظومة من الخدمات والحماية الاجتماعية بدأ يشعر بأن مستوى معيشته ومستقبل أبنائه لم يعودا مضمونين كما كانا في السابق.
في فرنسا، تتداخل الاحتجاجات على غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة وسياسات خفض الإنفاق مع حالة من الاستقطاب السياسي وتراجع الثقة بقدرة الحكومة على معالجة الأزمات الداخلية.
وفي البرتغال، تتصدر أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وضعف الأجور المشهد، حتى أصبح امتلاك منزل أو استئجاره عبئاً يفوق قدرة شرائح واسعة، خصوصاً الشباب، رغم ما حققته البلاد من تقدم اقتصادي خلال السنوات الماضية.
أما ألبانيا، فتواجه غضباً مرتبطاً بالبطالة ومستقبل الشباب وأوضاع التعليم واتهامات الفساد، وهي قضايا تعكس فجوة بين تطلعات المواطنين والواقع الاقتصادي والسياسي، رغم مساعي البلاد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وفي إيطاليا، تتراكم الضغوط الناتجة عن ضعف نمو الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة والخلافات حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية، في بلد يعاني أصلاً تحديات الدين العام وتباطؤ النمو الاقتصادي.
أما بلجيكا، فتبرز فيها الاعتراضات على إجراءات التقشف وإصلاحات التعليم والخدمات العامة، وسط مخاوف من تحميل المواطنين أعباء إضافية لمعالجة الاختلالات المالية.
ورغم اختلاف الظروف بين هذه الدول، فإن القاسم المشترك يتمثل في اتساع الفجوة بين ما يتوقعه المواطن من دولته وما تستطيع الحكومات تقديمه فعلياً. فالاحتجاج لا يبدأ دائماً عندما يصل الإنسان إلى الفقر، بل قد يبدأ عندما يشعر بأن مكتسباته تتراجع، وأن المستقبل الذي عمل من أجله أصبح مهدداً.
وهنا تبرز مسألة لا تقل أهمية، وهي أولويات الإنفاق الحكومي الأوروبي في ظل الأزمات الدولية المتلاحقة، وارتفاع الالتزامات الدفاعية، والضغوط الاقتصادية المرتبطة بالطاقة والتجارة والتوترات الجيوسياسية. فهذه العوامل لا تفسر وحدها الاحتجاجات، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً حول قدرة الحكومات على التوفيق بين التزاماتها الخارجية ومسؤولياتها الاجتماعية الداخلية.
إن خطورة ما يجري لا تكمن في أعداد المتظاهرين أو حجم المواجهات الأمنية وحدها، بل في احتمال تحول المطالب المعيشية إلى أزمة ثقة أوسع بين المواطن والمؤسسات السياسية. وعندما تتراجع هذه الثقة، تصبح الإجراءات الاقتصادية المحدودة أقل قدرة على استعادة الاستقرار.
ولا يعني ذلك أن أوروبا تقف بالضرورة على أعتاب انهيار سياسي أو اقتصادي، فمؤسساتها ما زالت تمتلك أدوات مهمة لاحتواء الأزمات. لكن تجاهل الأسباب الاجتماعية للغضب، أو الاكتفاء بمعالجته أمنياً، قد يفتح الباب أمام مزيد من الاستقطاب والاضطرابات.
ويبقى السؤال الأهم: هل ما تشهده الشوارع الأوروبية مجرد موجة احتجاجات تستطيع الحكومات احتواءها، أم أننا أمام بداية تحول أعمق في علاقة المواطن الأوروبي بدولته، بعدما بدأت الضغوط الاقتصادية والسياسية تهدد أحد أهم أسس الاستقرار الأوروبي، وهو شعور المواطن بالأمان الاجتماعي والمستقبل؟
