Uncategorized

من فلقِ الصبح إلى فلقِ الخلية: قراءةٌ تفسيرية-طبية معاصرة لسورة الفلق في ضوء سنن الكمون والوقوب والتحوّر

 

بقلم الدكتور محمد علي المعايطة

من بين كل الكلمات التي كان يمكن أن تُفتَتح بها الرسالة الإسلامية المحمدية ، جاءت أول كلمةٍ عبر الوحي من فوق سبع سماوات: اقرأ. لم يأتِ الأمر الأول: صلِّ، ولا أسجد، ولا حُجّ، ولا زكِّ و لا تصدف ( دون التنقيص أبدا من هذه الفرائض العظيمة الاجر دنيا و الآخره أبدا أبدا). مع أن العبادة هي قلب العلاقة بين العبد وربه في كل الشرائع، إلا أن افتتاح الخطاب الإلهي بـ«اقرأ» يعلن (بلغةٍ منهجية لا تُقصي أحداً ولا تُصادر معتقداً) أن المعرفة ركنٌ في حفظ الحياة، وأن العقل مُستدعى ليعمل داخل السنن، لا ليقف على هامشها. واللافت أن الأمر جاء مطلقاً غير مُقيَّد بنداءٍ خاص؛ لم يقل: اقرأ يا محمد، ولم يقل: اقرأ أيها المسلم، ولم يقل: اقرأوا أيها المسلمون. وفي هذا الإطلاق معنى عدلٍ واتساع: أن مبدأ “اقرأ” هو خطابٌ للإنسان و الانسانيه، دعوةٌ إلى التعلم والدرس والبحث والبناء. أما العبادات فهي، في كل الديانات، بين العبد وربه، ينتهي عملُها الفردي الروحي الديني بانتهاء عمر الإنسان، و لكن، يبقى أثرٌ واحدٌ يتجاوز الموت في كل الموروثات الروحية تقريباً: أثرٌ نافعٌ ممتدّ؛ صدقةٌ جارية، أو علمٌ يُنتفع به. ولهذا تبقى الكتب والمعارف والمجلدات: مجلدات دينية موروثة ومتواترة، وكتبُ طبٍّ وهندسةٍ وجغرافيا وفلسفةٍ ومعارف شتى؛ لا تنتهي بموت صاحبها، بل تُبنى عليها طبقات جديدة من الفهم، فتتقدم الحياة وتتسارع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ومع ذلك يبقى الفرق واضحاً بين ثبات النصوص المؤسسة وبين تطور العلوم؛ فالمعرفة تتراكم وتتغير بطبيعتها، أما الشرائع فتُفهم وتُستنبط ضمن أصولها وضوابطها دون أن تُحرف عن مرجعياتها.

ثم تأتي سورة الفلق لتضعنا أمام معادلةٍ دقيقة تجمع مجلدات في خمس آيات. في التفسير المتعارف عليه باختصار علمي غير أدبي، الفلق هو الصبح وانفلاق النور عن الظلمة، و«من شر ما خلق» تعميم للاستعاذة من كل ما قد ينشأ عنه أذى من المخلوقات، و«غاسق إذا وقب» هو الليل إذا اشتدّ ظلامه ودخل، أي الاستعاذة من الشرور التي تكثر في ظلمة الليل مثل الجرائم و السرقه و القتل و اجتماعات اللهو و الفساد. هذه خلاصة المعنى الذي يحفظ دلالة النص في إطارها التفسيري المعروف.

أما قراءتي المعاصرة (بوصفها تدبّراً علمياً يستأنس بعموم اللفظ ولا يدّعي حصر المراد) فإنني أرى أن “الفلق” ليس مجرد الصبح، بل مبدأ الفلق و الانفلاق نفسه: بداية الانشطار والانقسام والتحوّر. حين أقول: قل أعوذ برب الفلق، فكأني ألتجئ إلى ربّ السنن التي تُخرج الشيء من كمونه و سباته و نومه إلى فعله و استبداده، وأستعيذ به من شرّ كل ما يبدأ بالانفلاق في صورته البيولوجية، ومن شرّ نتائج هذا الانفلاق إذا خرجت عن حدّها. وبهذا المعنى تصبح «من شر ما خلق» عندي جملةً علميةً عامةً قبل أن تكون وصفاً إنشائياً. فمن هذا العموم تدخل الفيروسات والبكتيريا والفطريات وسائر العوامل الممرِضة، وتدخل أيضاً صورٌ أخرى من الخلل الداخلي حين ينقلب التجدد إلى تهديد.

ثم تأتي الآية التالية متممةً لما قبلها “علمياً” كما أراها: ومن شر غاسق إذا وقب. في القراءة المتعارف عليها الغاسق هو الليل، أما في قراءتي المعاصرة فأرى الغاسق—كمجازٍ علمي—هو “المخلوق المكنون، إلنائم في سبات عميق”: العامل الذي يكون في كمونٍ أو خفاءٍ أو سباتٍ وظيفي داخل بيئةٍ ما، ثم إذا “وقب” دخل طور الفعل؛ استيقظ وظهر وانتشر، وبدأت آليات الانقسام والانشطار والتكاثر، ثم التحوّر. وكلمة “وقب” في نظري تختصر لحظة الانتقال الحاسمة: من سكونٍ يمّكن التعايش معه إلى نشاطٍ يغيّر المعادلة، ومن وجودٍ محدود إلى انتشارٍ واسع، ومن خطرٍ محتمل إلى خطرٍ فعّال. هذه الكلمة، على قصرها ، ثلاثة أحرف، تُصوّر بدقة ما حيّر العلماء في أقوى مختبرات العالم: كيف نوقف هذا “الوقوب او الوقب و الاستيقاظ و نعيده إلى الغسق و السبات”؟ (و جائحة الكورونا مثلا عاما لا على سبيل الحصر)، نصنع دواءً فيُقاوَم، نطوّر لقاحاً فتظهر سلالات، نُحكِم السيطرة فيتحور العامل المسبب، فتتحول المواجهة مع أضعف خلق الله (بحكم السنن) إلى أحد أعقد التحديات على البشرية.

ولكي يكتمل المشهد العلمي داخل النص، لا أقف عند الميكروب وحده؛ بل أنتقل إلى داخل الإنسان نفسه، حيث تظهر صورة “الفلق” الأعمق: الانقسام الذي جعله الله شرطاً للحياة قد يتحول، إذا اختلّ نظام الرقابة، إلى تكاثرٍ عشوائي خارج عن السيطرة للخلايا في اعضاء جسم الانسان، فتبدأ السرطانات الخبيثة بوصفها مثالاً لإنفلاقٍ مَرَضيّ و تكاثر و انتشار من خليه صامته تعمل ما خلقت لأجله، إلى خليه خبيثه تنغلق ( الفلق) و تنشطر و تتحور و تتكاثر دون سيطره، تُصبح نتيجته شراً على الإنسان. قراءتي المعاصرة أقرب إلى وصفٍ لمنطق الحياة: الاستعاذة من شرّ الانفلاق إذا خرج عن حدّه، سواء كان انفلاقاً خارجياً في عالم الميكروبات، أو انفلاقاً داخلياً في عالم الخلايا الحميده إلى الخبيثه.

وهنا يعود معنى “اقرأ” مرةً أخرى، لا بوصفه شعاراً، بل بوصفه آلية بقاء. فإذا كانت الحياة تضع أمام الإنسان شراً يتجدد بصورٍ متغيرة، فإن الاستجابة ليست الخوف وحده، بل العلم أيضاً: اقرأ، بمعنى ادرس وابحث وجرّب ودوّن وطوّر. فالعلم النافع، حين يقترن بالأخلاق المهنية وبقصد الرحمة، ليس منافساً للعبادة، بل امتدادٌ لمعناها في حفظ الحياة، وتخفيف الألم، وصيانة الضعفاء. ومن هنا نفهم لماذا لا ينتهي العلم بموت عالم أو طبيب أو مهندس؛ لأن المعرفة تُورَّث، تُراجع، تُصقل، ثم تُضاف إليها طبقات جديدة، حتى تستمر الحياة وتتطور بتسارع شديد إلى يوم الدين.

وإذا أردت تشبيهاً يحوّل هذه الفكرة إلى صورةٍ قابلة للفهم العلمي، فإن جسم الإنسان هو “المدينة الصناعية” الهائلة الضخمه، فيها آلاف “المصانع” تعمل في وقتٍ واحد بطريقة ربانيه موزونه بقمة الدقه و أدوات تواصل لم يصل إلى كنهها الذكاء الاصطناعي، و لن يصل. لكل مصنع مركز سيطرة وإدارة جودة وتخطيط وتطوير، و هيئه تنظيم كل قطاع، وفيه آليات دقيقة للتعيين والاستبدال وإنهاء الخدمة لموظفيها ( الخلايا)، حتى نصل إلى خطوط الإنتاج حيث تعمل الخلايا المتخصصة: خلايا تُنتج هرمونات موزونة، وخلايا تُنتج مضادات أكسدة، وخلايا لمفاوية محاربة و مقاتله للأوبئة ، وخلايا ذاكرة تحفظ وتستجيب، وخلايا تترجم الذبذبات إلى سمع، والضوء إلى رؤية، والإشارات إلى إحساس بالألم بأنواعه. وحين يختلّ هذا النظام لأي سببٍ من الأسباب يبدأ الخلل، ويظهر “الشرّ” في صورته البيولوجية: إما عاملٌ خارجي وقبَ فانتشر، أو انقسامٌ داخلي انفلقَ عن حدّه فتكاثر بلا رقابة و بدأ سرطان خبيث خارج عن السيطره المركزيه. عندها تتكرر الصورة عبر العصور: ابتلاءٌ جديد، ثم “اقرأ” جديد؛ بحثٌ يتجدد لأن الحياة لا بد أن تستمر و تتجدد. إقرأ ثم إقرأ ثم إقرأ باسم ربك الذي خلق.

الدكتور محمد علي المعايطة
استشاري جراحة الوجه و الفكين و التشوهات الخلقية و آفات الفم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى