
من حفظ المعرفة إلى صناعة المستقبل: كيف تتغير وظيفة الجامعة؟
د. أحمد نصيرات، أكاديمي ورئيس جامعة سابق
على مدى قرون، ارتبطت الجامعة بحفظ المعرفة وإنتاجها ونقلها من جيل إلى آخر، واستمدت مكانتها من استقلالها الأكاديمي وعمقها العلمي ودورها في بناء الفكر والثقافة وإعداد الأجيال. وقد أسهم هذا النموذج في بناء الحضارة الإنسانية والمحافظة على تراكمها المعرفي، لكنه نشأ وتطور في عالم يختلف كثيراً عن العالم الذي نعيش فيه اليوم.
فقد أدت التحولات الصناعية والاقتصادية المتلاحقة، ثم ظهور اقتصاد المعرفة والتطور التكنولوجي وتغير متطلبات سوق العمل وتوقعات الطلبة والمجتمع، إلى إعادة النظر تدريجياً في وظيفة الجامعة وعلاقتها بمحيطها. ولم يعد كافياً أن تنتج الجامعة المعرفة وتنقلها، بل أصبح مطلوباً منها أن تسهم أيضاً في تحويل هذه المعرفة إلى ابتكار وحلول وأثر اقتصادي ومجتمعي. وبناءً هذه التحولات إضافة إلى التسارع التكنولوجي، والمساءلة المجتمعية، وتغير توقعات الطلبة وسوق العمل، بدأت الجامعة في التحول وإعادة صياغة دورها.
ومن هنا برز مفهوم الجامعة الشريكة، التي لا تتخلى عن وظائفها التقليدية في التعليم والبحث وخدمة المجتمع، وإنما توسعها من خلال بناء علاقات أكثر تفاعلاً مع الصناعة والمجتمع ومؤسسات الدولة ومراكز البحث والابتكار.
من حفظ المعرفة إلى المشاركة في صناعة المستقبل
في النموذج التقليدي، كانت الجامعة في جانب كبير من تاريخها مؤسسة تحفظ المعرفة وتنظمها وتنقلها إلى الأجيال، مع قدر من المسافة بينها وبين المجتمع ومؤسساته الاقتصادية. أما الجامعة الشريكة فتتحرك في اتجاه مختلف، فالمعرفة لا تسير من الجامعة إلى المجتمع في اتجاه واحد، وإنما تصبح عملية تبادل مستمرة.
فالمشكلات التي تواجه الصناعة والمجتمع يمكن أن تتحول إلى أسئلة بحثية، والخبرة العملية يمكن أن تثري التعليم، والبحث العلمي في الجامعة يمكن أن يتحول إلى منتج أو تقنية أو خدمة أو سياسة تسهم في التنمية.
ومن هنا تصبح الجامعة جزءاً من منظومة للابتكار، تضم الشركات ومراكز البحث وحاضنات الأعمال والمؤسسات الحكومية والمجتمع، ويصبح تبادل المعرفة عملية في اتجاهين، تلتقي فيها المعرفة النظرية بالمشكلات الواقعية. وهذا يمثل أحد المرتكزات الأساسية لمفهوم الجامعة المنخرطة أو الشريكة.
كيف تتحول الشراكة إلى ممارسة؟
الشراكة ليست شعاراً، وإنما تحتاج إلى آليات مؤسسية تحولها إلى ممارسة حقيقية.
ويمكن أن تأخذ صوراً متعددة، منها البحوث المشتركة مع الصناعة، والكراسي البحثية، ومكاتب نقل التكنولوجيا، وحاضنات الأعمال، والمجالس الاستشارية للصناعة، والتدريب العملي، وربط مشاريع التخرج بمشكلات حقيقية تواجه المؤسسات.
وفي هذا النموذج، لا تسأل الجامعة فقط: ماذا يحتاج الطالب أن يتعلم؟ بل تسأل أيضاً: ما المشكلات التي يستطيع أن يسهم في حلها بما تعلمه؟
وتتشكل اليات تفعيل الشراكة على سبيل المثال، من دعم الكراسي البحثية ومكاتب نقل التكنولوجيا إلى مشاركة الصناعة في المجالس الاستشارية وتنفيذ الطلبة مشاريع لحل مشكلات واقعية.
لكن هذه العلاقة ينبغي ألا تجعل سوق العمل هو الذي يحدد وحده ما تعلمه الجامعة. فوظيفة الجامعة أوسع من إعداد موظف لمهنة قائمة اليوم، فهي مسؤولة أيضاً عن بناء التفكير النقدي، والبحث الأساسي، والثقافة، والقيم، والقدرة على التعلم والابتكار.
فالجامعة ينبغي أن تكون قريبة من سوق العمل، دون أن تصبح تابعة له.
من خدمة المجتمع إلى الشراكة معه
لطالما اعتبرت خدمة المجتمع إحدى وظائف الجامعة الرئيسة. لكن الجامعة الشريكة تتجاوز مفهوم تقديم الخدمة للمجتمع إلى العمل معه.
فبدلاً من أن تحدد الجامعة وحدها المشكلة ثم تقدم حلاً لها، يمكن أن تشارك المؤسسات والمجتمعات المحلية في تحديد الأولويات وصياغة الأسئلة وتطوير الحلول.
وهذا يغير موقع الجامعة في المجتمع، من مؤسسة تقف على مسافة منه وتقدم إليه المعرفة، إلى مؤسسة تشارك معه في معالجة تحديات التنمية، سواء في الطاقة والمياه والبيئة والصحة والتعليم، أو في الاقتصاد والتحول الرقمي والقضايا الاجتماعية.
ولكن، هل للشراكة ثمن؟
الانتقال إلى الجامعة الشريكة يحمل فرصاً كبيرة، لكنه يثير في الوقت نفسه أسئلة لا ينبغي تجاهلها.
فهل يؤدي ارتباط البحث بالتمويل الصناعي إلى إعطاء الأولوية للمشروعات ذات العائد التجاري السريع على حساب البحث الأساسي؟ وهل يمكن أن يؤثر الممول في استقلال الباحث؟ وهل تحصل العلوم والهندسة والتكنولوجيا على نصيب متزايد من التمويل على حساب العلوم الإنسانية والاجتماعية؟
هذه ليست مخاوف افتراضية، بل هي من التحديات الملازمة لتوسع العلاقة بين الجامعة والقطاع الاقتصادي، من خلال قضايا تسليع المعرفة، والتوازن بين البحث قصير وطويل الأجل، والاستقلال الأكاديمي، وعدم التكافؤ بين التخصصات.
لذلك فإن نجاح الجامعة الشريكة لا يقاس بعدد اتفاقياتها مع الشركات، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين الشراكة والاستقلال.
الجامعة الهجينة: لا إلغاء للتقليدي ولا رفض للجديد
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في هذا التحول. فالمطلوب ليس استبدال الجامعة التقليدية بجامعة تجارية تدور بالكامل حول احتياجات السوق.
الأقرب إلى المستقبل هو نموذج الجامعة الهجينة، الذي يجمع بين أفضل ما في النموذجين. فهي تحافظ على قاعدة قوية من العلوم الأساسية والإنسانيات والبحث الحر والتفكير النقدي، وفي الوقت نفسه تنفتح على البحث التطبيقي والابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا والشراكة مع المجتمع والصناعة.
مما يعني أن المطلوب التوسع في رسالة الجامعة وليس استبدالاً لها، بحيث تتكامل المعرفة الأساسية والإنسانية مع التطبيق والابتكار.
وبهذا المعنى، جامعة المستقبل ليست الجامعة التي تستبدل رسالتها الأكاديمية بالسوق، وإنما الجامعة التي تضيف إلى رسالتها الأكاديمية القدرة على الشراكة والتأثير.
والآن يأتي الذكاء الاصطناعي
لم يبدأ الانتقال إلى الجامعة الشريكة مع ظهور الذكاء الاصطناعي. فقد سبقه بسنوات طويلة تطور الصناعة، واقتصاد المعرفة، والتحول الرقمي، وتغير سوق العمل، وتصاعد الحاجة إلى الابتكار وربط البحث العلمي بالتنمية.
لكن الذكاء الاصطناعي والذي يمثل والذي يمثل تحولًا معرفيًا عميقًا، يتجاوز كونه مجرد أداة تقنية ليصبح عاملًا مؤثرًا في إعادة تشكيل مسارات التعليم والبحث العلمي. يأتي اليوم ليسرع هذا التحول ويوسع نطاقه.
فهو يغير أساليب البحث وإنتاج المعرفة، ويزيد الحاجة إلى العمل بين التخصصات، ويوفر إمكانات جديدة للشراكة بين الجامعات والمؤسسات التكنولوجية والصناعية، كما يفتح مجالات واسعة لنقل المعرفة وتحليل البيانات والابتكار.
وفي الوقت نفسه، يضيف تحديات جديدة تتعلق بالبيانات والخصوصية والملكية الفكرية والنزاهة والاستقلال الأكاديمي. ولذلك يصبح التوسع في الشراكة واستخدام التكنولوجيا مرتبطاً بالحاجة إلى حوكمة قوية وأطر أخلاقية واضحة وضمانات للحرية الأكاديمية واستقلال البحث.
وما النموذج المناسب لجامعاتنا العربية؟
التحول نحو الجامعة الشريكة اتجاه عالمي، لكن ليس هناك نموذج واحد يمكن نسخه في جميع الدول.
فالظروف الاقتصادية، وقوة القطاع الصناعي، وقدرات الجامعات البحثية، والتشريعات، والتمويل، والبنية التكنولوجية تختلف من مجتمع إلى آخر. ولهذا فإن نجاح النموذج يتطلب تكييفه مع البيئة المحلية، مما يؤكد أن تطبيق الجامعة الهجينة مرتبط باختلاف الظروف الاقتصادية والقدرات المؤسسية والبيئات التنظيمية.
وهذا الأمر أكثر أهمية بالنسبة إلى جامعاتنا العربية. فالشراكة التي نحتاجها ينبغي أن تنطلق من تحديات اقتصاد بلدانناومجتمعاتنا، وأن تربط البحث العلمي بأولويات التنمية الوطنية، وأن تبني جسوراً حقيقية بين الجامعة وقطاعات الإنتاج والخدمات، بدلاً من استنساخ نماذج نشأت في بيئات اقتصادية وصناعية مختلفة.
وقد تكون إحدى الفرص المهمة أمام جامعاتنا أيضاً الانتقال من الشراكات المحلية المنفردة إلى شبكات عربية للتعليم والبحث والابتكار، تستطيع تجميع الإمكانات والخبرات والتعامل مع تحديات مشتركة تتجاوز حدود المؤسسة أو الدولة الواحدة.
من حفظ المعرفة إلى صناعة المستقبل
إن التحول من الجامعة التقليدية إلى الجامعة الشريكة لا يعني التخلي عن رسالة الجامعة التاريخية، بل توسيع هذه الرسالة.
فالجامعة مطالبة بأن تبقى مكاناً للبحث الحر والتفكير النقدي وحفظ المعرفة والقيم، لكنها مطالبة في الوقت نفسه بأن تكون شريكاً في الابتكار والتنمية وصناعة الحلول.
والتحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين التقاليد والتغيير، ولا بين المعرفة والتطبيق، ولا بين الاستقلال والشراكة، بل في قدرة الجامعة على الجمع بينها.
جامعة المستقبل ليست الجامعة التي تتخلى عن الماضي من أجل المستقبل، ولا التي تتمسك بالماضي وتراقب المستقبل من بعيد، بل الجامعة التي تعرف ما الذي ينبغي أن تحافظ عليه، وما الذي ينبغي أن تغيره، وكيف تحول المعرفة إلى عمل وأثر.
وبذلك تنتقل الجامعة من مجرد حفظ المعرفة إلى المشاركة في صناعة المستقبل. والشراكة تساهم في الهدف السابع عشر من أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، وهو “عقد الشراكات لتحقيق الأهداف”.
