
منيرة الصلح تستحضر الملكة إليسا بين الحرب والهجرة
افاق نيوز – تقدّم الفنانة اللبنانية منيرة الصلح صياغة جديدة للأسطورة، وربطتها في الوقت نفسه بالمآسي والأسئلة التي تعيشها منطقتنا اليوم: الحرب والهجرة، ضفتا المتوسط، الذاكرة والهوية، النساء والجنس، وهي موضوعات تمنح تجربتها اتساعاً وتفسر، بشكل من الأشكال، ذلك الحضور الكثيف للحكاية والوثيقة، وذلك التعدد في الوسائط والتقنيات المستخدمة. يحضر ذلك في معرضها “إليسا، إيلا، هيلا، إليسا، أُعيد أَسطرَتكِ أكثر” الذي افتتح في فرع غاليري صفير- زيملر بهامبورغ، بداية الشهر الجاري ويتواصل حتى نهاية ديسمبر/ كانون الثاني 2026، مُستعيدةً الأسطورة المعروفة لأميرة صور “عليسّة”، مؤسِّسة وملكة قرطاج.
يتوزع المعرض على صالتين أو فضائين منفصلين يؤلفان الغاليري. يتوسط أرض الصالة الأولى كتلتان اثنتان، ترتاح الأعمال فيها على “طبليّات” خشبية، مما يستخدم في عمليات الشحن. الكتلة الأولى تمثّل قارباً خشبياً صغيراً في داخله مجموعة من المجسمات الدائرية مشغولة من شِباك معدنية، وعلى جانب منه علّقت الفنانة عدة عبوات مياه بلاستيكية، أما بالقرب منه، على بعد سنتيمترات قليلة نجد منحوتة فخارية تمثّل صَدَفة. وتحت عنوان “الحمار والوجه المزدوج (القناع الرابع عشر، رقصة مع حكايتها)” نرى منحوتتين فخاريتين أخريتين واحدة لقناع والثانية لرأس حمار أبيض مشغول بأسلوب فطري، وتمثلان الكتلة الثانية.
على حائط من هذه القاعة، نجد لوحة “المرأة صائدة السمك (غرفة إليسا)” وهي مؤلفة من عدة بلاطات مرصوفة، خزفية مزججة. في هذه اللوحة كما في الأعمال الأخرى التي سنشاهدها لاحقاً في المعرض، تؤلف الصلح لوحتها من إشارات ميثولوجية فينيقية، كذلك تستحضر عناصر ومفردات من حضارات أخرى، متوسطية، كإلهة الأفاعي الشهيرة في الحضارة “المينوية” وكشكل التنانير ذات الطبقات التي نجدها في كريت القديمة حيث حطّ الثور بأوروبا!
وعلى الحائط المقابل، نجد مجموعة من الأقنعة الفخارية الملونة التي ابتكرتها الصلح محاولةً صنع أقنعة أسطورية خاصة بها لمخلوقات مختلفة، مستعيدة من خلالها في آن تقاليد أقنعة المسرح اليوناني القديم وتلك التمائم الزجاجية التي كانت تصنع من الطين والزجاج الملّون للحماية من الشر في فينيقيا كما في قرطاج. من هذه الأقنعة ما كان معروضاً في بينالي فينيسيا ولكن تحولت وظيفتها ربما بتحول المكان وكيفية عرضها فيه.
في الصالة الثانية وهي الأوسع، نجد مجموعة لوحات مشغولة بالتطريز، وهي بعنوان “صَدَفة الموركس”، وهو عنوان موارب أو لنقل خجول، فمن يشاهد بقية الأعمال، يشك أن المقصود هنا هو فقط الصدفة الشهيرة، تلك التي عرفنا من خلالها اللون الأرجواني. وتبدو لنا هذه المجموعة وكأنها الأكثر “إتقاناً”، أو لنقل أُشتُغِلت بتؤدة.
إلى جانب هذه المجموعة، تعرض الصلح لوحات، منها ما قدمته كمعلقات قماشية ومنها ما كان مشدوداً على الإطار الخشبي التقليدي. والروح هنا مختلفة كلياً عن لوحات التطريز.
استعملت الفنانة مواد مختلطة من فحم وأصباغ طبيعية وزيت، كما أضافت إلى بعض اللوحات شرائط من “الدانتيل” وقطعا صغيرة من “الكروشيه”، في تقنية تتلاءم مع طبيعة الحكايات وتداخلها؛ حكايات تجمعها ذاكرة متشظية، وتجارب غير مكتملة، وهويات معلقة بين أماكن مختلفة. وربما لهذا نلمس في بعض الأعمال شيئاً من سرعة التنفيذ وخشونته، ونجد أعمالاً تقترب أحياناً من المسودات. وهذا ما ينسجم مع نظريتها في العمل، التي تبلورت بعد دراستها في أمستردام، والقائمة على التحرر من مركزية الرسم، أو، كما صرّحت يوماً، الانتقال إلى مرحلة “إزالة السموم” من الرسم.
في هذه الأعمال تتداخل المرأة الأسطورية مع امرأة اليوم، يتجاور الملحمي مع اليومي المعاش ضمن تصوير لا يخلو من العبث أو السخرية. تنسى الفنانة حكاية إليسا لتروي حكايات النساء (وهي هنا إحداهنّ)، تلك التي تسمعها منهن أو عنهن، عن هواجسهنّ وعن ثمن هروبهن إلى بر الأمان، من أهوال الحروب أو من عسف المجتمع. ولا يمكن، في معظم هذه الأعمال، إلا أن نرى خيط الجنس وهو يحيك العلاقة بينها بوصفه أحد خيوط التجربة الهامة التي تجمعها.
تذخر مسيرة الصلح التي درست الفنون في الجامعة اللبنانية ثم في أمستردام بمشاركات دولية متعددة من اسطنبول إلى نيويورك ومن طوكيو إلى الدوحة. قبل هذا المعرض، شاركت في بينالي فينيسيا لعام 2024، وقدّمت فيه عملاً تركيبياً متعدد الوسائط عن”أوروبا”، الأميرة الفينيقية التي اختطفها زيوس.
تحاول الفنانة الانتقالَ إلى مرحلة “إزالة السموم” من الرسم
لكن بعد مشاهدة معرضها الحالي والإطلاع على معرضيها السابقين، يبقى سؤال لا يمكن تجاهله: هل نحن فعلاً أمام ثلاثة معارض مختلفة أم أمام معرض واحد في ثلاثة عناوين مختلفة؟
لنأخذ فكرة القارب مثلاً: في هامبورغ، كما في بيروت، يبدو أقرب إلى لعبة أطفال إذا ما قارناه بذلك المركب الكبير الذي شاهدناه في فينيسيا. صحيح أن فضاء الصالة لا يسمح بعمل أكبر، لكن هذا لا يمنع من التساؤل عن جدوى وجوده هنا، وهل أقنعنا كعمل فني؟ في قارب “أوروبا – فينيسيا”، كان رأس الحمار يقبع في مقدمة السفينة بينما انفصل رأس الحمار عن القارب في “إليسا – هامبورغ”. هل هذا “الانفصال” هو ما يصنع الفارق بين الأسطورتين؟
وهنا تقودنا المسألة إلى سؤال أوسع، يتعلق بالفن البصري نفسه: من الأهم، الحكاية والوثيقة أم الجودة التقنية والجمالية للعمل بوصفه منتَجاً فنياً قائماً بذانه؟ وهل جاء التركيز على الحكاية والبيان على حساب العمل الفني النهائي؟ وبعبارة أكثر مباشرة: ما الذي يبقى من العمل حين نجرده من حكايته أو البيان الذي يحيط به؟
