
معركة خاسرة.. كيف رفعت الحرب والرسوم والذكاء الاصطناعي تكلفة المنازل الأميركية؟
افاق نيوز – تخوض الولايات المتحدة معركة يائسة لخفض تكاليف بناء المنازل، لكنها تكاد تكون معركة خاسرة في الوقت الراهن، إذ تواجه شركات البناء ارتفاعاً متواصلاً في التكاليف، وهو ما يجبرها، إلى جانب ركود الطلب، على التراجع عن زيادة الإنتاج. وقد أدت الحرب على إيران والرسوم الجمركية والتوسّع الهائل في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي إلى زيادة تكاليف المواد والأيدي العاملة والاقتراض، في حين باءت المحاولات الرامية إلى إزالة العقبات التنظيمية بالفشل، مما يفسر سبب الارتفاع الحاد في تكاليف التشييد من خلال خمسة عوامل رئيسية تسلط الضوء على أبعاد هذه الأزمة.
ووفقاً لتقرير أوردته “وول ستريت جورنال” اليوم الجمعة، تتجلى المشكلة الأولى في تكلفة المواد الأساسية، فرغم لجوء بناة المنازل إلى استخدام مواد أرخص سعياً لتقليل النفقات، ما زالوا يواجهون أسعاراً مرتفعة لمكونات البناء الرئيسية. وقد أدت الرسوم الجمركية إلى رفع أسعار مواد تتنوع من الجدران الجافة (Drywall) إلى النوافذ والخشب، حيث تضافرت الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترامب بنسبة 50% على واردات الألمنيوم المستخدم في الكسوة الخارجية وإطارات النوافذ والمزاريب مع ارتفاع فواتير الطاقة لتدفع أسعار الألمنيوم نحو صعود حاد.
وبحسب تقديرات محللي بنك “UBS” الشهر الماضي، فإن الرسوم الجمركية المطبقة ترفع تكلفة بناء كل منزل بمعدل متوسط يبلغ نحو 8,200 دولار. يضاف إلى ذلك اعتماد البناة على منتجات بترولية مثل القار للأسقف (Asphalt Shingles) وأنابيب البلاستيك (PVC)، والتي قفزت أسعارها بسبب الحرب في إيران، حيث رفعت شركة “Owens Corning”، وهي من كبار موردي الأسقف في أميركا، أسعار القار بنسبة تصل إلى 8% في إبريل، وبنسبة إضافية راوحت بين 6% و9% في يونيو/حزيران، بينما سبَّب سباق بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي اشتعالَ الطلب على معادن حيوية أخرى مثل النحاس.
أمّا الأزمة الثانية فتمثلت في سوق العمل والخدمات اللوجستية؛ حيث يواجه قطاع بناء المنازل نقصاً مزعجاً وطويل الأمد في العمالة الماهرة بمهن السقف، والدهان، والبناء بالحرش، والتركيبات الهيكلية، فضلاً عن الكهربائيين، وفنيي التكييف والتبريد، والسباكين. وتصاعد الطلب على هذه الكفاءات بالتوازي مع بناء مراكز البيانات التي تتطلب جيوشاً من الفنيين الذين فضلوا العمل في مشروعات مراكز البيانات المربحة بدلاً من تشييد المنازل.
وفي الوقت نفسه، أدت الحملة الشديدة التي شنتها إدارة ترامب على الهجرة والزيادة الحادة في عمليات الترحيل إلى تدمير القوى العاملة لدى شركات البناء في بعض مناطق البلاد، مما أجبر البناة على دفع أجور أعلى بكثير للعمال المتبقين، وسبَّب تأخيرات زمنية تكلف أموالاً باهظة في مدفوعات الفوائد، وإيجارات المعدات، وصيانة المواقع، والتأمين.
وعلاوة على ذلك، ارتفعت النفقات غير المرئية كالتوزيع والتخزين ونقل المواد، حيث أدى ارتفاع أسعار الديزل التي سجلت مستويات قياسية مؤخراً إلى زيادة تكاليف نقل الخشب المضغوط والخرسانة وألواح الأرضيات إلى مواقع العمل، كما واجه تجار الجملة والتجزئة ارتفاعاً في نفقات التشغيل جراء التضخم والرسوم الجمركية التي رفعت تكلفة تشغيل الرافعات الشوكية وشراء أرفف التخزين.
وتكمن المعضلة الرابعة والخامسة في الفوائد واللوائح التنظيمية، إذ تضرب تكاليف الاقتراض المرتفعة شركات البناء من جانبين، فمن جهة يضغط ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية على حجم الطلب، مما يجبر البناة على إنفاق مبالغ ضخمة لخفض أسعار الفائدة لجذب المشترين، ومن جهة أخرى يعتمد البناة أنفسهم على الديون لتمويل مشروعاتهم، حيث أفادوا بتشديد شروط الائتمان لـ18 ربعاً متتالياً وفقاً لمسح الجمعية الوطنية لبناة المنازل (NAHB).
وتموّل شركات البناء الكبرى والمدرجة عملياتها بديون الشركات طويلة الأجل، والتي أصبحت أكثر تكلفة بعد أن دفع التضخم الناجم عن الحرب في إيران عوائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوياتها منذ عقود. ورغم أن الكونغرس أقر هذا العام أكبر حزمة تشريعات سكنية منذ عقود لتسهيل القواعد التنظيمية، لم تخفف اللوائح الصارمة على المستوى المحلي حيث تشتد القيود، فبينما حظيت حركة “نعم في باحتنا الخلفية” (YIMBY) بقبول واسع للمطالبة بتخفيف اللوائح وتسريع المراجعات الحكومية، ظل الناخبون المحليون في مناطق عدة معارضين بشدة للمقترحات التي تزيد كثافة الأحياء والمعروض السكني، في حين فرضت أكواد البناء الجديدة، خاصة المتعلقة بكفاءة الطاقة وإطفاء الحرائق، على البناة تشييد منازل أكثر تعقيداً وأعلى تكلفة.
