
مصانع الدرة في إربد نموذج استثماري يراهن على الإنسان ويؤمن بالأردن
حين تتحول المصانع إلى قصص نجاح وطنية.
آفاق نيوز – في مدينة الحسن الصناعية بإربد، كانت لي اليوم زيارة خاصة إلى مصانع الدرة للمنتجات الغذائية برفقة صاحبها الحاج أبو الخير،
وهو رجل أعمال من أصول سورية اختار الأردن وطناً للاستثمار والعمل والإنتاج، حتى أصبح يحمل الجنسية الأردنية بعد سنوات من العطاء والاستثمار الحقيقي.
لم تكن الزيارة مجرد جولة داخل مصنع لإنتاج المواد الغذائية، بل كانت رحلة داخل قصة نجاح تستحق أن تُروى. فمنذ اللحظة الأولى يلفت انتباهك مستوى النظافة الاستثنائي، والترتيب الدقيق، والالتزام الصارم بمعايير الجودة والتعقيم، مروراً بالمختبرات الحديثة وخطوط الإنتاج المتطورة، وصولاً إلى تفاصيل صغيرة تعكس ثقافة مؤسسية ناضجة تؤمن بأن الجودة لا تُصنع بالآلات وحدها، بل بالعقول والإدارة والانتماء.
لكن ما شدّني أكثر من التكنولوجيا والإنتاج كان الإنسان. أكثر من ألف موظف يعملون في هذه المصانع، غالبيتهم من أبناء محافظة إربد ومن الأردنيين، في نموذج حقيقي للاستثمار الذي لا يكتفي بتحقيق الأرباح، بل يصنع فرص العمل ويخلق الاستقرار لآلاف الأسر.
وخلال الجولة، تحدث الحاج أبو الخير بفخر واعتزاز عن العامل الأردني، مشيداً بمستوى كفاءته وولائه وانتمائه للمصنع، مؤكداً أن العلاقة داخل مصانع الدرة تتجاوز إطار الموظف وصاحب العمل لتصبح علاقة عائلة واحدة. ولعل من أكثر الأمور التي تعكس هذه الفلسفة وجود نقابة للعاملين في المصانع، في خطوة تؤكد الإيمان بحقوق العاملين والشراكة الحقيقية معهم.
وفي حديثه عن بيئة الاستثمار، لم يُخفِ الحاج أبو الخير تقديره الكبير للأردن ومؤسساته. وبعد خبرة طويلة وتجارب عديدة، وصف ما وجده في الأردن بأنه تعامل مؤسسي راقٍ ومميز، مؤكداً أنه لم يتعرض لأي ضغوط أو تعقيدات من الجهات الرقابية أو المؤسسات الرسمية أو حتى الموظفين، بل وجد تعاوناً وتسهيلات واحتراماً للقانون وللمستثمر الذي يعمل بجدية وشفافية.
مثل هذه النماذج يجب أن تُسلَّط عليها الأضواء. فالأردن، رغم كل التحديات الاقتصادية، ما زال قادراً على جذب المستثمر الحقيقي والاحتفاظ به عندما تتوافر بيئة مستقرة ومؤسسات تعمل وفق القانون. ومصانع الدرة ليست مجرد منشأة صناعية، بل هي رسالة تؤكد أن الاستثمار الناجح هو الذي يربح ويُشغّل الناس، ويحترم العامل، ويؤمن بالجودة، ويصبح جزءاً من المجتمع الذي يحتضنه.
خرجت من الزيارة وأنا أكثر قناعة بأن خلف كثير من المنتجات التي نضعها على موائدنا قصصاً من العمل والانضباط والوفاء. وهناك، في مدينة الحسن الصناعية، رأيت نموذجاً لمصنع لا ينتج الغذاء فقط، بل ينتج الثقة والأمل، ويقدم درساً حقيقياً في كيف يمكن للاستثمار أن يكون شريكاً في بناء الوطن والإنسان.

