منبر الكلمة

مستشفى الأميرة بسمة الجديد في إربد… بين اكتمال الحجر ونقص البش

 

عدنان نصّار

 

في الجنوب الهادئ من مدينة إربد، يرتفع مبنى مستشفى الأميرة بسمة الجديد بوصفه علامة فارقة في المشهد الصحي لشمال المملكة. تصميم حديث، مساحات واسعة، غرف عمليات متطورة، وأقسام عناية حثيثة تضاهي ما هو موجود في مستشفيات إقليمية متقدمة. هو إنجاز أردني تحقق بدعم كريم من المملكة العربية السعودية، في رسالة تضامن أخوي واستثمار مباشر في صحة الإنسان الأردني.

غير أن اكتمال الصورة لا يتحقق بالمباني وحدها.

في تفاصيل التشغيل اليومي، تظهر فجوة صامتة لكنها مؤثرة. غرف تخدير الأطفال – بحسب ما يؤكده عاملون ومراجعون – مجهزة بأحدث الأجهزة، وأنظمة المراقبة الحيوية متوفرة، والبنية الفنية جاهزة لاستقبال الحالات الدقيقة. لكن المشكلة تكمن في قلة الكوادر المتخصصة القادرة على التعامل مع تخدير الأطفال، وهو اختصاص بالغ الحساسية، يتطلب خبرة نوعية تختلف تمامًا عن تخدير البالغين.

الطفل ليس مريضًا صغير الحجم فحسب، بل حالة طبية مختلفة فيزيولوجيًا ونفسيًا. جرعات الأدوية، آلية الاستجابة، احتمالات المضاعفات، وحتى أسلوب التواصل… كلها تحتاج تدريبًا دقيقًا وخبرة متراكمة. وجود أجهزة بلا اختصاصيين كافين يحوّل الجاهزية النظرية إلى قدرة غير مكتملة.

وهنا يصبح السؤال وطنيًا لا إداريًا فقط: ماذا يعني أن نمتلك بنية تحتية طبية متقدمة، بينما تظل بعض خدماتها الحيوية غير مفعّلة بالكامل؟

أهالي شمال الأردن – من إربد إلى لواء بني كنانة، ومن الأغوار الشمالية إلى القرى المحيطة – كانوا ينتظرون هذا الصرح ليخفف عنهم عناء التحويل إلى العاصمة، وليقلّص فترات الانتظار، ويمنح أطفالهم علاجًا آمنًا قريبًا من بيوتهم. المستشفى اليوم قادر هندسيًا على ذلك، لكنه يحتاج إلى استكمال البناء الإداري والفني: تعيين اختصاصيي تخدير أطفال، تعزيز برامج الإقامة والتدريب، توفير حوافز لجذب الخبرات النادرة، وربما ابتعاث أطباء شباب للتخصص الدقيق والعودة لخدمة الإقليم.

القضية لا تتعلق بانتقاد إنجاز وطني، بل بحمايته من أن يبقى ناقصًا. فالمشاريع الكبرى تُقاس بقدرتها على تقديم الخدمة الفعلية، لا بعدد الطوابق أو حداثة الأجهزة. كل غرفة عمليات لا تعمل بكامل طاقتها تعني موعدًا مؤجلًا، وقلقًا إضافيًا لعائلة تنتظر.

كما أن الاستثمار في الكوادر ليس بندًا ماليًا ثانويًا، بل هو جوهر الاستدامة. المباني تبقى لعقود، لكن الكفاءة البشرية هي التي تمنحها الحياة. وإذا كان الدعم السعودي قد أسهم في تشييد الحجر، فإن المسؤولية الوطنية اليوم تكمن في تشييد الإنسان داخله: تدريبًا، وتوظيفًا، وتخطيطًا بعيد المدى.

مستشفى الأميرة بسمة الجديد يملك كل المقومات ليكون مركزًا طبيًا مرجعيًا لشمال المملكة، وربما رافعةً لتخفيف الضغط عن مستشفيات العاصمة. لكنه يحتاج إلى قرار إداري جريء يعترف بأن المرحلة التالية ليست مرحلة احتفال بالافتتاح، بل مرحلة تشغيل كامل بكفاءة عالية.

الناس لا ترى التفاصيل الفنية، لكنها تشعر بنتائجها. وحين يدخل طفل إلى غرفة العمليات، لا تسأل أسرته عن نوع الجهاز، بل عن يد الطبيب وخبرته.

هنا يكمن التحدي… وهنا تكمن الفرصة أيضًا..فرصة لإستكمال النجاح .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى