الديماغوجي الأكبر على المنبر: أعطوه نوبل للحرب… إن وُجدت!
فلسفة ترامب لتحقيق السلام تقوم على فرض القوة، لذلك يحتقر المؤسسات والقوانين الدولية، ويُجبر دول العالم على الإنفاق بشكل متزايد على التسلّح، والدول الأغنى على التوجه نحو امتلاك ترسانات نووية خاصة بها.

هاني عضاضة
يُعيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب تركيز هجومه على منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، متهماً مؤسساتها بالبيروقراطية والعجز، في استراتيجية خطابية تندرج في صميم الديماغوجية السياسية. في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كرّر ترامب ادعاءه أنه الأحق لنيل جائزة نوبل للسلام لعام 2025، مُضيفًا أنه “لا يمانع عدم حصوله عليها”. غير أن الممارسات الفعلية لإدارته، التي تتسم بالهجوم الممنهج على المؤسسات الدولية وتعطيل عملها من جهة، وتعزيز سباق التسلّح العالمي من جهة أخرى، تُظهر مفارقة لافتة وتناقضاً صارخاً مع هذه الادعاءات.
هذا التناقض لا يكشف فقط عن هوة بين الخطاب والممارسة، بل يفضح جوهر الخطاب الديماغوجي الترامبي، بينما تُخفي سياساته الفعلية نزعة عدائية تهدد السلم العالمي، إضافة إلى السلم الأهلي الأميركي، وهو ما يتجاوز بكثير رمزية توقيع ترامب أمراً تنفيذياً بتغيير اسم وزارة الدفاع إلى وزارة الحرب.
لا تقتصر ديماغوجية ترامب على الخطاب، بل تتجسّد في ممارسات خطيرة تهدف إلى تفكيك الإرادة الدولية وفرض رؤيته الأحادية، فيقدم نفسه كصانع سلام بينما يفرض شروط استسلام قاسية على أطراف الصراعات. ففي غزة، يعطل قرارات مجلس الأمن باستخدام حق النقض (الفيتو) ليتمكن لاحقاً من تقديم نفسه كمفاوض أوحد يفرض “صفقته” للسلام بشروطه التي تتجاهل حقوق الفلسطينيين الأساسية.
هذه الآلية نفسها ينتهجها في الملف الأوكراني، حيث يمارس ضغوطاً مكثفة على الرئيس فولوديمير زيلينسكي لقبول شروط قاسية وإنهاء الحرب بتنازلات كبيرة لروسيا، ليصوّر نفسه كبطل أنهى نزاعاً مستعصياً، بينما في الحقيقة يدفع هنا وهناك نحو تسويات مجحفة تكرّس منطق القوة.
ترامب يتعمّد تعطيل الأجهزة الأمميّة ثم ينتقدها
على الرغم من النقد اللاذع الذي يوجّهه ترامب الى الأمم المتحدة، تسير إدارته على خطى سابقتها في تعطيل عمل مجلس الأمن. فقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض للمرة السادسة على التوالي خلال عامين، لمنع إصدار قرار يدعو إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار في غزة، ويُسهّل إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع. جاء هذا المنع على رغم موافقة 14 عضواً في المجلس، ومعارضة الولايات المتحدة فقط. وعلى الرغم أيضاً من تصويت 149 دولة من أصل 193 دولة عضو في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح القرار.
وبعد أيام فقط من استخدام حق النقض، قدم ترامب نفسه خطةً شخصية مكونة من عشرين بنداً لإنهاء الحرب على غزة، في التفافٍ واضح على الموقف الدولي الداعي لوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار. سقط مئات القتلى والجرحى في القطاع في المدة التي تفصل بين استخدام إدارة ترامب حق النقض وإعلان خطة إنهاء الحرب.
تمثل هذه الخطة، في جوهرها، محاولة لتحقيق غايتين: الأولى، تحويل مسار الصراع من مسار دولي متعدد الأطراف إلى مسار أحادي تتحكم به الدبلوماسية الأميركية حصرياً. والثانية، فرض حل يخدم الرؤية السياسية والأمنية لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، ما يجعل من ادعاءات ترامب بـ “صنع السلام” غطاءً لفرض الاستسلام بشروط تكرّس الاحتلال.
لا تقتصر الطبيعة الكولونيالية لهذا المخطط على فرض بنوده العشرين من خارج الإرادة الفلسطينية، بل تتجسد في الهيئة الدولية الجديدة التي ستدير القطاع، والتي يُعتبر تعيين توني بلير على رأسها ترسيخاً رمزياً للكولونيالية البريطانية، وهو المشارك الرئيسي في غزو العراق عام 2003 بناءً على ادعاءات كاذبة بوجود أسلحة دمار شامل.
القيود التي تفرضها الولايات المتحدة، عبر حق النقض، هي أحد الأسباب الجوهرية في شلل مجلس الأمن وعجزه عن معالجة ليس فقط أزمة غزة، بل وأبرز الملفات الدولية الأخرى. وتتسع هذه الأزمة مع استمرار الهجوم المالي الأميركي على الأمم المتحدة، إذ لم تُسدّد واشنطن حصتها الكاملة من الميزانية وقلصت مساهماتها في عمليات السلام والإغاثة، بل وانسحبت من مؤسسات دولية أساسية مثل منظمة الصحة العالمية واتفاقية باريس للمناخ.
يصرّ ترامب على الفصل الحاد بين ما تنجزه الدبلوماسية الأميركية الأحادية وبين دور الأمم المتحدة، معتبراً أن الأخيرة عاجزة، ومتخلياً عن مهامه الأممية. فقد أصبح ينظر إلى المهام الدولية باعتبارها مهاماً أميركية بحتة، وفي الوقت نفسه يتعمّد التقليل من شأن الجهود الدبلوماسية الدولية مستغلاً موقعه، فارضاً بذلك روايته حول عجز الأمم المتحدة عن القيام بمهامها وإرساء السلام العالمي.
وهكذا يصبح ترامب – في تصوّره الخاص – عرّاب السلام الأوحد، فيبرّر لنفسه المضي قدماً في خفض تمويل البرامج التنموية والإنسانية للأمم المتحدة، التي يرى أنها لم تعد ضرورية. وهذا التوجه يعرّض حياة الملايين في أفقر دول العالم، وبخاصة النساء والاطفال والأشخاص المعرّضين للأمراضالمزمنة والأوبئة، لخطر الموت. وذلك في أعقاب وقف التمويل الأميركي لمنظمة “الأونروا” وانسحاب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان أيضاً.
ترامب الحربي يفضح أكاذيب ترامب السلمي
لم تقتصر مهاجمة ترامب الأمم المتحدة على اتهامها بالفشل، بل استخدم المنبر الاممي نفسه للادعاء أنه أوقف سبع حروب مستعصية بطرق سلمية خلال سبعة أشهر فقط. وعلى رغم الدور الأميركي المباشر في الوساطة بين الكونغو ورواندا من جهة، وأرمينيا وأذربيجان من جهة أخرى، إلا أن باقي الأمثلة تتطلب التدقيق؛ فترامب يستخدم في خطابه الديماغوجي والشعبوي حقائق قليلة ممزوجة بأكاذيب كثيرة، وبأسلوب حادٍ وساخرٍ يتعمّد التبسيط المفرط لقضايا شائكة وشديدة التعقيد.
من بين هذه الحروب التي يدّعي ترامب إنهاءها، حرب الـ 12 يوماً بين إسرائيل وإيران، التي شاركت فيها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل تحت قيادته شخصياً، وذلك بقصف منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم، ومحطة نطنز النووية، ومركز أصفهان للتكنولوجيا والأبحاث النووية في 22 حزيران/ يونيو 2025، في عملية أطلق عليها اسم “عملية مطرقة منتصف الليل” (Operation Midnight Hammer) شاركت فيها سبع قاذفات قنابل استراتيجية ثقيلة من نوع Northrop B-2 Spirit.
يُذكَر هنا أن ترامب نفسه كان أعلن انسحاب بلاده من الاتفاق النووي مع إيران خلال فترة ولايته الأولى في العام 2018، ما يجعله مسؤولاً بشكل مباشر عن تفاقم الأزمة النووية الإيرانية.
كما ادّعى ترامب أنه أطفأ نار الحرب بين الهند وباكستان في نيسان/ أبريل الماضي، التي اندلعت بعد هجوم باهالجام الإرهابي في كشمير. لكن الدبلوماسية الأميركية لم تكن العامل الحاسم في إنهاء ذلك النزاع، على رغم الترحيب الباكستاني والاستخفاف الهندي الذي بلغ درجة أن رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي صرّح بعدم وجود أي وساطة أميركية في الأصل. فقد كان توازن الردع الذي فرضته باكستان، والذي لم يكن ليتوافر لولا الأسلحة ومنظومات الدفاع الصينية المتطورة التي تُصنَع داخل الأراضي الباكستانية، والدعم العسكري التركي وكذلك استعداد تركيا للتدخل مباشرة، هو العامل الأساسي الذي أوصل الحرب إلى طريق مسدود قبل تطورها. كما لعب الثقل التجاري والمالي للمملكة العربية السعودية دوراً محورياً في احتواء هذه الحرب، بخاصة من جهة حفظ الممر الاقتصادي الذي يربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا (IMCE)، وتُرجِم هذا الدور بزيارتين أجراهما وزير الخارجية السعودي عادل الجبير لكلٍ من باكستان والهند خلال أيام الحرب.
أما في البلقان، فلم تنشب حرب بين صربيا وكوسوفو، والوضع أشد تعقيداً بكثير مما يصوّره ترامب في استسهاله المفرط. يتمحور الخلاف بين البلدين، الذي يتطور أحياناً إلى توترات عسكرية حدودية لا ترتقي إلى مستوى الحرب، حول نزاعٍ نشأ منذ 17 شباط/ فبراير 2008 بعد إعلان كوسوفو استقلالها عن صربيا، إذ لم تعترف صربيا باستقلال كوسوفو. ويشمل النزاع عدم قدرة كوسوفو على احتواء سخط الأقليات العرقية، ومن ضمنها الأقلية الصربية التي تبلغ نحو 7 في المئة من السكان، على رغم مبادرة صربيا لحل منظمات الأقلية الصربية في شمال كوسوفو تسهيلاً لعملية دمجها في المجتمع الكوسوفي إثر محادثات عام 2013 بين البلدين برعاية أوروبية.
لكن تصاعد التوترات مجدداً جاء إثر اندلاع احتجاجات كبيرة في شمال كوسوفو عام 2022 احتجاجاً على انتهاء صلاحية لوحات تسجيل المركبات الصادرة عن صربيا، وتداخلت هذه الاحتجاجات مع تدخلات روسية متزايدة لصالح صربيا تأجيجاً للتوترات بين البلدين رداً على التدخلات الغربية في الأزمة الأوكرانية منذ سنوات. ولم تفعل إدارة ترامب شيئاً يذكر لمنع هذه التوترات من التفاقم، بل على العكس من ذلك، بادرت تلك الإدارة إلى تعليق العلاقات مع كوسوفو قبل أيام من كلمة ترامب المتفاخرة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 12 أيلول/ سبتمبر 2025.
في الحالة بين كمبوديا وتايلاند، اقتصرت الأزمة على نزاعٍ حول ترسيم الحدود المشتركة لم يتطور إلى حربٍ شاملة، على رغم الاشتباكات المسلحة التي اندلعت بين الطرفين على نطاقٍ أوسع من المعتاد في 24 تموز/ يوليو 2025، إثر فقدان جندي تايلاندي ساقه بعد دوسه على لغم أرضي كمبودي، ما أدى إلى مقتل العشرات وجرح المئات من الجنود والمدنيين، بالإضافة إلى نزوح مئات الآلاف من المدنيين من الطرفين.
إلا أن الأزمة تم احتواؤها بسرعة بعد أربعة أيام فقط مع إعلان وقفٍ لإطلاق النار. المثير في الأمر أن تايلاند رفضت أي وساطة من طرفٍ ثالث وفضّلت التفاوض الثنائي، بالتالي، لم تكن هناك وساطة أميركية لإنهاء الصراع. وقد أشار المتحدث باسم وزارة الخارجية التايلاندية، نيكورنديج بالانكورا، إلى ذلك بوضوح في تصريح لوكالة “رويترز” قائلاً: “الولايات المتحدة والصين وماليزيا، التي ترأس حالياً رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)، عرضت تسهيل الحوار، لكن بانكوك تسعى إلى حل ثنائي للنزاع”، وهو ما أكّده نائب وزير الخارجية التايلاندي، روس جاليتشاندرا، في تصريحٍ آخر.
أما في حالة مصر وإثيوبيا، فإن التوترات الناتجة من إعلان إثيوبيا افتتاح سد النهضة لا تزال تتفاقم باستمرار، ولا يزال الخطاب الرسمي المصري يشير إلى إمكانية نشوب حربٍ بين البلدين، نظراً إلى التهديد الذي تطرحه السياسات الإثيوبية على الأمن المائي المصري. هذا الوضع ازداد تعقيداً أخيراً مع إعلان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد نيّة إثيوبيا “استعادة” ميناء عصب الإريتري، الذي كان تحت السيطرة الإثيوبية إبان الاحتلال الإثيوبي لإرتيريا. أي أن إثيوبيا تخطّط لإعادة بناء قواتها البحرية، ما يجعل التهديد الإثيوبي للأمن القومي المصري مزدوجاً، ويضع سيطرة مصر على البحر الأحمر في خطر، إضافة إلى تهديد الأمن القومي الإريتري. فأين دور ترامب في خفض التصعيد ومنع الحرب، وعلى أي وقائع مادية ترتكز ادعاءاته؟ إذ إن ترامب نفسه ادّعى أن الولايات المتحدة موّلت بناء سد النهضة الإثيوبي في تموز/ يوليو الماضي، قبل أن ينقلب على نفسه ويدّعي أن بناء السد يمثل “مشكلة كبيرة”. فأين يصدق وأين يكذب ترامب؟ في الحالين، من الواضح أن دوره ضئيل في حل هذه الأزمة، بل إنه يعمل على مفاقمتها في بعض الأحيان.
ترامب الذي يستحق الحصول على جائزة نوبل للحرب… إن وُجِدت
في موازاة ذلك كله، وفي مشهدٍ يختزل كل التناقضات، يرفض الرأي العام الأميركي بشكل واسع فكرة تتويج ترامب بجائزة نوبل للسلام. فقد كشف استطلاع جديد للرأي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” وشركة “إبسوس” تحت مظلة AAPOR، أن 54 في المئة من الأميركيين ينتقدون ترامب في قضايا الجريمة، بخاصة من ناحية توسيع نطاق استخدام الجيش الأميركي لمكافحة الجريمة المدنية، ما يؤسس لحكمٍ عسكريتاري على المدى البعيد. في حين عارض 58 في المئة منهم سياسة ترامب في غزة، بينما عارض 76 في المئة من الأميركيين فكرة حصول ترامب على جائزة نوبل للسلام. واعتبر 97 في المئة من الديمقراطيين، و49 في المئة من الجمهوريين، و82 في المئة من المستقلين الذين شملهم التصويت، أن ترامب لا يستحق جائزة نوبل للسلام.
لا تقف الوقاحة الترامبية عند هذا الحد، فداعية السلام المزعوم لا يكتفي بنسب صفات وفضائل لا يمتلكها إلى نفسه، بهدف إضعاف الكيان الأممي الوحيد القادر على حفظ الحد الأدنى من الاستقرار العالمي، وتقويض هياكله الإنمائية والإنسانية التي تمنع نشوب عشرات النزاعات ووقوع الكثير من الكوارث الإنسانية والبيئية – على رغم هشاشتها في الأصل – عبر التمويل الإنساني وتعزيز التنمية وتحقيق التعاون الدولي في مجالات حقوق الإنسان والبيئة وغيرها؛ بل يذهب أبعد من ذلك، ليفرض نفسه على أرض الواقع كأكبر مصدّرٍ للسلاح وأكبر داعمٍ للصناعات العسكرية الأميركية. فأخبار الصفقات العسكرية الأميركية لا تكاد تتوقف يوماً. فكيف يمكن لجائزة نوبل للسلام أن تكون من نصيب أكبر مروّج للسلاح ومستفيدٍ من النزاعات المسلّحة في العالم؟
إذا كانت الجوائز تُمنح للاستحقاق الحقيقي، فإن ترامب يقدّم نفسه مرشحاً أقوى لجائزة افتراضية لـ “نوبل الحرب”.
فلسفة ترامب لتحقيق السلام تقوم على فرض القوة، لذلك يحتقر المؤسسات والقوانين الدولية، ويُجبر دول العالم على الإنفاق بشكل متزايد على التسلّح، والدول الأغنى على التوجه نحو امتلاك ترسانات نووية خاصة بها.
هذه الفلسفة الترامبية، التي ترى أن السلام الحقيقي يأتي عبر عسكرة الكوكب، تهدّد الاستقرار العالمي كما لم يحدث منذ زمن الحرب الباردة.
يمكن اختزال فلسفة ترامب لفرض السلام بالقوة العسكرية في عبارة واحدة: “إنقاذ العالم عبر تدميره”.



