
مدارس شعلة الإبداع.. حين تلتقي خبرة التأسيس برؤية الجيل الجديد… قصة نجاح
بقلم الدكتور محمد يوسف حسن بزبز
سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
ليست قصة المؤسسات التعليمية الناجحة مرتبطة بعدد سنواتها فحسب، ولا بما تحققه من نتائج في نهاية كل عام، وإنما بما تتركه من أثر، وما تبنيه من ثقة، وما تمتلكه من قدرة على التطور مع احتفاظها بهويتها ورسالتها.
ومن بين التجارب التعليمية التي تستحق التوقف عندها، تبرز مدارس شعلة الإبداع التربوية الثانوية، التي تشكل مسيرتها نموذجًا لخبرة تأسيسية امتدت عبر السنوات، ثم انتقلت إلى مرحلة جديدة من التطوير والتحديث، في ظل إدارة رلى الزهد، امتدادًا للرؤية التي أرست دعائمها المديرة العامة رياض الزهد.
فمرحلة التأسيس لم تكن مجرد بداية زمنية، بل كانت مرحلة بناء لهوية المدرسة ومنظومتها التعليمية والإدارية، وترسيخ مجموعة من القيم والممارسات التي شكلت أساسًا لمسيرتها. وقد ارتبط اسم رياض الزهد بهذه المرحلة، بما حملته من اهتمام بالتعليم، والمتابعة، والانضباط، وتوفير البيئة التي تساعد الطلبة على تحقيق تقدمهم الأكاديمي والتربوي.
ومع تولي رلى الزهد إدارة المدارس، انتقلت التجربة إلى مساحة جديدة تفرضها طبيعة التعليم في العصر الحديث؛ حيث أصبح التطوير ضرورة مستمرة، وأصبحت المدرسة مطالبة بمواكبة التكنولوجيا، وتنويع أساليب التعليم، والاهتمام بمهارات الطلبة، وتوفير بيئة أكثر تفاعلًا مع احتياجات الجيل الجديد.
وهنا تظهر قيمة الانتقال بين الجيلين؛ فالخبرة المتراكمة لا تفقد أهميتها عندما يأتي جيل جديد من الإدارة، بل تصبح قاعدة يمكن البناء عليها، بينما يضيف الجيل الجديد أدوات ورؤى تتناسب مع المتغيرات التي يشهدها التعليم.
وتتجلى ملامح هذه المرحلة في الاهتمام بتطوير البيئة التعليمية، ومواكبة المستجدات، وتوظيف التقنيات الحديثة في العملية التعليمية، إلى جانب تعزيز دور الكوادر التعليمية الشابة، بما يتيح للمعلم مساحة أوسع للإبداع، وللطالب فرصًا أكبر للتفاعل والمشاركة والتعلم بطرائق تتجاوز التلقين التقليدي.
فالمدرسة اليوم لم تعد مكانًا لتقديم المعلومات فقط، وإنما بيئة متكاملة يتعلم فيها الطالب كيف يفكر، ويبحث، ويتواصل، ويعمل مع الآخرين، ويتعامل مع المعرفة والتكنولوجيا بوعي ومسؤولية.
وعلى صعيد التحصيل الأكاديمي، شكلت النتائج المرتفعة التي حققتها مدارس شعلة الإبداع في امتحانات الثانوية العامة أحد المؤشرات اللافتة في مسيرتها، وهي نتائج تعكس، في جانب منها، منظومة من المتابعة والتدريس والاستعداد والعمل المشترك بين الإدارة والمعلمين والطلبة وأولياء الأمور.
والأهم أن النجاح الأكاديمي لم يُنظر إليه بوصفه رقمًا نهائيًا، بل ثمرة لمسار يبدأ من المتابعة اليومية، ويستند إلى كفاءة المعلم، وانتظام الطالب، ووضوح الأهداف، والاهتمام بمواطن القوة والجوانب التي تحتاج إلى تحسين.
وفي السنوات الأخيرة، بات تطوير المدرسة مرتبطًا أيضًا بقدرتها على مواكبة التحولات في التعليم، وتهيئة طلبتها لمتطلبات مرحلة لا تكفي فيها المعرفة وحدها؛ إذ يحتاج الطالب إلى مهارات التفكير، والبحث، والتواصل، وحل المشكلات، والقدرة على التعلم المستمر.
وهذه النقلة تحديدًا هي التي تجعل استمرار المؤسسة بين جيلين أكثر من مجرد انتقال إداري؛ إنها عملية تراكم للخبرة، وإعادة قراءة للواقع، ثم تحويل ما تم بناؤه في الماضي إلى قاعدة تنطلق منها المؤسسة نحو المستقبل.
وفي تجربة مدارس شعلة الإبداع، تبدو هذه المعادلة واضحة: إرث تأسيسي أسهمت رياض الزهد في بنائه وترسيخه، وإدارة جديدة تقودها رلى الزهد في مرحلة تتطلب التطوير والاستجابة لمتغيرات التعليم واحتياجات الطلبة.
ولا يعني الحفاظ على هوية المؤسسة أن تبقى أدواتها ثابتة؛ فالمؤسسات الحية هي التي تحافظ على مبادئها، بينما تطور وسائلها. ومن هنا فإن قيمة التجربة لا تكمن في الاستمرار وحده، وإنما في القدرة على جعل الاستمرار مدخلًا للتجدد.
كما أن نجاح أي مدرسة لا يكتمل بالتحصيل الأكاديمي وحده؛ فالطالب يحتاج إلى بيئة يشعر فيها بالانتماء والأمان، ويجد فيها فرصة لاكتشاف قدراته ومواهبه، وبناء شخصيته، وتحمل المسؤولية، واحترام العمل، والتعامل مع الآخرين بروح إيجابية.
وهذا هو المعنى الأوسع للتعليم؛ أن نُعد الطالب للامتحان، دون أن ننسى أننا نعده في الوقت نفسه للحياة.
إن تجربة مدارس شعلة الإبداع التربوية الثانوية تقدم اليوم صورة لمؤسسة تحمل في ذاكرتها خبرة التأسيس، وفي حاضرها أدوات التطوير، وفي مستقبلها مسؤولية مواصلة البناء. وبين رياض الزهد التي أرست الأساس، ورلى الزهد التي تواصل المسيرة برؤية تتعامل مع متطلبات المرحلة الجديدة، تتشكل حكاية مؤسسة لا تريد أن تكتفي بما تحقق، بل تسعى إلى أن تجعل من كل مرحلة نقطة انطلاق لما بعدها.
وفي النهاية، تبقى قيمة المدرسة في أثرها؛ في طالب يخرج منها أكثر معرفة وثقة، وفي معلم يجد مساحة للعطاء، وفي أسرة ترى في المؤسسة شريكًا حقيقيًا في تربية أبنائها.
وهكذا، حين تلتقي خبرة التأسيس برؤية الجيل الجديد، يصبح انتقال المسؤولية فرصة لتجديد المسيرة، لا مجرد استمرار لها؛ وتصبح قصة مدارس شعلة الإبداع حكاية بناءٍ بدأ بخبرة، ويتواصل برؤية، ويستمد قيمته الحقيقية من الإنسان الذي تضعه المدرسة في قلب رسالتها.
