
ماذا لو وجد البديل عن الفضة في الصناعات الحديثة؟
بقلم أ.د. عاطف البواب
هل يمكن للنحاس أن يحل محل الفضة في الصناعات؟ دار نقاتش في جلسة حوارية بهذا السؤال مما حفزني للكتابة بهذا الموضوع، فقد شهدت أسعار النحاس خلال السنوات الأخيرة ارتفاعات قوية جعلته أحد أكثر المعادن جذباً لاهتمام المستثمرين والصناعات على حد سواء. ويعود ذلك إلى التوسع العالمي في مشاريع الطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية، وشبكات الكهرباء، ومراكز البيانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما أن محدودية الإمدادات العالمية وتباطؤ اكتشاف المناجم الجديدة أسهما في دعم الأسعار عند مستويات مرتفعة تاريخياً.
ويُعرف النحاس بأنه “معدن الاقتصاد” لأن الطلب عليه يرتبط بشكل مباشر بالنشاط الصناعي والبنية التحتية. فكل توسع في شبكات الكهرباء أو مشاريع الطاقة النظيفة يتطلب كميات كبيرة من النحاس بسبب قدرته العالية على توصيل الكهرباء والحرارة.
في المقابل، تلعب الفضة دوراً مهماً في الصناعات الحديثة، خاصة في الألواح الشمسية والإلكترونيات والمركبات الكهربائية والاتصالات. وتتميز الفضة بأنها أفضل موصل كهربائي بين جميع المعادن المعروفة، الأمر الذي يجعلها مادة يصعب الاستغناء عنها في التطبيقات التي تتطلب أعلى درجات الكفاءة.
لكن مع الارتفاعات الكبيرة التي شهدتها أسعار الفضة، بدأت الشركات الصناعية والباحثون في دراسة إمكانية استبدال جزء من استخداماتها بالنحاس الأقل تكلفة. وتشير التقارير إلى وجود أبحاث متقدمة لاستخدام النحاس في بعض مكونات الخلايا الشمسية والدوائر الكهربائية بهدف خفض التكاليف الإنتاجية.
ومع ذلك، فإن إحلال النحاس محل الفضة بشكل كامل يبدو أمراً غير مرجح في المستقبل القريب. فالنحاس أقل كفاءة من الفضة في التوصيل الكهربائي، كما أنه أكثر عرضة للأكسدة والتآكل، مما يجعله أقل ملاءمة لبعض التطبيقات الدقيقة والحساسة. لذلك يمكن أن يحدث استبدال جزئي في بعض الصناعات، لكنه لن يكون شاملاً.
ولو نجح النحاس في الاستحواذ على جزء كبير من استخدامات الفضة الصناعية، فقد يؤدي ذلك إلى انخفاض الطلب الصناعي على الفضة وبالتالي تقليل الضغوط الصعودية على أسعارها. وفي المقابل سيرتفع الطلب على النحاس بشكل أكبر، مما قد يدفع أسعاره إلى مستويات أعلى نتيجة زيادة الاستهلاك الصناعي.
إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن العالم يحتاج إلى المعدنين معاً. فالنحاس يشكل العمود الفقري لشبكات الطاقة والبنية التحتية الكهربائية، بينما تبقى الفضة ضرورية في التطبيقات التي تتطلب أعلى درجات الكفاءة الكهربائية والإلكترونية. ولذلك فإن العلاقة المستقبلية بين المعدنين ستكون أقرب إلى التكامل منها إلى المنافسة المباشرة.
وفي ضوء التحول العالمي نحو الكهرباء والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، يتوقع أن يستمر الطلب القوي على النحاس والفضة خلال السنوات المقبلة، وإن كانت وتيرة النمو قد تختلف بين معدن وآخر بحسب التطورات التقنية وقدرة الصناعات على إيجاد بدائل اقتصادية.
