
#اعلاميون_اردنيون
وُلدت الإعلامية ليلى القطب في مدينة القدس، في زمن كانت فيه الإذاعة الوسيلة الأبرز للتواصل ونقل الأخبار والترفيه. كبرت في بيت يقدّر الثقافة، وكانت هوايتها المفضلة منذ صغرها هي الاستماع إلى مختلف المحطات الإذاعية، محلية كانت أو عربية أو أجنبية، تتابع البرامج وتُصغي جيدًا لكيفية الإلقاء، وتلاحظ التفاصيل الدقيقة في نبرات المذيعين. لم تكن تعرف أن هذا الشغف المبكر سيحدد ملامح مستقبلها، لكن البذرة الأولى كانت قد زُرعت.
مع مرور الوقت، أصبح للصوت الإذاعي وقع خاص في حياتها، حتى إنها كانت تحفظ أسماء المذيعين البارزين في ذلك العصر، وتقلّد أساليبهم في قراءة الأخبار أو تقديم البرامج. كان الميكروفون بالنسبة لها حلمًا بعيدًا، لكن القدر كان يُهيّئ لها الطريق بطريقة غير متوقعة.
في إحدى السنوات، أعلنت إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية عن فتح باب التعيين لمذيعين جدد. لم تتردد القطب، فشدّت الرحال من القدس إلى عمّان، وهي تحمل في داخلها مزيجًا من الطموح والخوف من المجهول. خضعت لاختبارات الإلقاء والتحرير الصوتي، واجتازتها بنجاح، ما فتح أمامها بابًا إلى عالم كانت تحلم به.
لكن كان لديها التزام أكاديمي؛ إذ كانت على وشك إنهاء دراستها في جامعة بيرزيت، فطلبت من إدارة الإذاعة أن تؤجل بدء عملها إلى ما بعد تخرجها، وهو ما تم بالفعل. بعد نيل شهادتها، التحقت رسميًا بالعمل، وأقامت مؤقتًا في جمعية الشابات المسيحية في عمّان.
في بداية مسيرتها، رغبت القطب في الانتقال إلى إذاعة القدس لأسباب خاصة، فتوجهت بطلبها إلى سيادة الشريف عبد الحميد شرف، الذي كان يشغل منصبًا رفيعًا آنذاك، لكنه رفض الطلب قائلاً: “نحن بحاجة إليك هنا”. لم تيأس، فأعادت الطلب إلى عطوفة أمين أبو الشعر، الذي أبدى تفهّمًا لظروفها، ووافق على نقلها.
في إذاعة القدس، وجدت القطب نفسها وسط بيئة إعلامية لها خصوصيتها، حيث البث يختلط برائحة التاريخ، والجمهور أكثر تنوعًا، والصوت يصل إلى قلب المدينة التي تحمل رمزية دينية وثقافية عالمية. استمرت هناك حتى نكسة عام 1967، حين توقفت الإذاعة عن البث، فعادت إلى عمّان لتستكمل عملها.
في عام 1970، سافرت القطب إلى ألمانيا مع زوجها الذي كان في بعثة علمية. وقدمت استقالتها من الإذاعة، لكنها لم تنقطع عن الميكروفون، إذ التحقت للعمل في إذاعة “دويتشه فيله” لمدة عام. كانت هذه التجربة مختلفة تمامًا؛ فقد اطلعت على أساليب الإنتاج الغربي، وتعرفت على التكنولوجيا الإذاعية المتطورة في أوروبا، كما اكتسبت خبرة في مخاطبة جمهور متعدد الثقافات واللغات.
بعد عودتها من ألمانيا، استأنفت القطب عملها في إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية، حاملة معها روحًا جديدة وأفكارًا أكثر انفتاحًا على تجارب البث المختلفة. بقيت في الإذاعة لعقود، لتصبح واحدة من أبرز الأصوات التي رافقت المستمع الأردني في مختلف الأوقات والبرامج. وفي عام 2010، انضمت إلى إذاعة الجامعة الأردنية، حيث واصلت تقديم البرامج لمدة عامين، مؤكدة أن حبها للإذاعة لا يعرف حدودًا زمنية.
عُرفت ليلى القطب بصوتها الدافئ، ونبرتها الواثقة، وأسلوبها الرصين في إدارة الحوار. كانت قادرة على تحويل أي موضوع إلى مادة شيقة، سواء كان خبرًا عاجلًا أو نقاشًا ثقافيًا أو حوارًا مع مسؤول. امتازت باللباقة وسرعة البديهة، وهي صفات جعلتها الخيار الأمثل للبرامج المباشرة التي تحتاج إلى تعامل مرن مع المواقف المفاجئة.
قدمت القطب باقة واسعة من البرامج التي تراوحت بين الثقافي والاجتماعي والخدمي، منها:
صباح الخير: انطلاقة يومية مليئة بالطاقة والمعلومات الخفيفة.
لقاء الظهيرة: مجلة إذاعية شاملة تربط المستمعين بأخبار اليوم وقضايا المجتمع.
اعمل وامرح مع سمير خوري: برنامج تفاعلي يجمع بين الترفيه والمعلومة.
بين المكتبتين مع غالب الحديدي: مساحة ثقافية أسبوعية لعالم الكتب والمكتبات.
الإذاعة في خدمتك مع زهير عبد القادر: منصة حوارية بين المواطنين والمسؤولين لحل المشكلات الخدمية.
رحلة المستمعين، أسرة وسهرة، شخصيات في سطور، المميزون، إضافةً إلى قراءة الأخبار.
كما كان لها حضور ميداني لافت عبر البث المباشر من المحافظات، حيث انتقلت إلى مدن مثل العقبة والمفرق والطفيلة، لتنقل نبض الشارع وقضايا الناس مباشرة من الميدان.
عملت القطب في الإذاعة خلال فترة شهدت تطورات كبيرة في البث، بدءًا من أجهزة التسجيل الضخمة وأشرطة الريل، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة. عاصرت أجيالًا من المذيعين والمذيعات، مثل سمير خوري، زهير عبد القادر، وغالب الحديدي، وتعاونت معهم في تقديم برامج مشتركة أو تغطيات خاصة.
كانت جزءًا من مدرسة إذاعية تضع المهنية والانضباط فوق كل اعتبار.
لم يقتصر حضور ليلى القطب على البرامج الخدمية والثقافية، بل امتد إلى فضاء الحوار مع كبار المبدعين في الأردن والعالم العربي. فقد أجرت لقاءات إذاعية مع عشرات الفنانين والأدباء والشعراء، تركت بصمة واضحة في ذاكرة المستمع، ومن أبرز من حاورتهم: الأديب روكس بن زائد العزيزي، الشاعر الفلسطيني سميح القاسم، الروائي السوداني الطيب صالح، المطرب وديع الصافي، والفنان فريد الأطرش. كانت تلك اللقاءات جسورًا تربط الجمهور بوجوه الثقافة والفن، وتمنح المستمع فرصة التعرف على تجارب إنسانية وإبداعية رفيعة المستوى.
شاركت القطب في مؤتمرات وورش عمل، منها دورة في معهد الإدارة العامة التنفيذية عام 1998، وعملت محكّمة في مهرجان الإذاعة والتلفزيون بالقاهرة، وهي مهام تُمنح عادةً لأهل الخبرة الرفيعة. حصلت على شهادات تقدير ودروع من جهات عدة: اللجنة الوطنية للسكان، مؤسسة نور الحسين، جمعية المذيعين الأردنيين، وزارة الداخلية، جامعة البتراء، الجامعة الأردنية، ومركز الإعلاميات العربيات.
لم تكن ليلى القطب مجرد صوت يطل عبر الأثير، بل كانت مدرسة إذاعية متكاملة، أسهمت في تدريب أجيال جديدة من المذيعين، وأثبتت أن المرأة العربية قادرة على الجمع بين المهنية العالية والحضور القوي، دون أن تفقد حسّها الإنساني أو التزامها الأخلاقي. تركت إرثًا إذاعيًا غنيًا، وصوتها ما زال محفورًا في ذاكرة المستمع الأردني والعربي كرمز لزمن إذاعي جميل.
عماد الشبار








