QFEX 2026
منبر الكلمة

لا قواعد بعد الآن .. بعد الخذلان

 

عوض ضيف الله الملاحمة

إستسلمت غالبية الأقطار العربية للضغوط الأمريكية لإقامة قواعد عسكرية ( متقدمة في عدتها وعتادها وتدريب جنودها ) . وأكدوا للأقطار العربية التي أُقيمت فيها هذه القواعد ، ان الغاية من إنشائها ((حمايتنا )) من الأخطار التي تتهددنا ، لأننا ((حلفاء )) ، ومن صميم واجبهم حمايتنا .

الغالبية العظمى من تلك القواعد تحمّلت الأقطار العربية كلياً أو جزئياً كلفة إقامتها ، مع ان كلفة بعضها وصل الى المليارات .

ولم تعرف الأقطار العربية ان الهدف الخفي لإنشاء تلك القواعد ليس إلا إستعداداً لحرب ضروس على إيران إستجابة لطلب طفل أمريكا المدلل نتنياهو .

شنّت أمريكا والكيان حربهما على إيران . واشتعلت سماء وأرض الأقطار العربية . وكلما كثفا هجومهما على إيران ، تقصف إيران الأقطار العربية وتصب جام غضبها علينا . ولم تهاجم البوارج الأمريكية التي تبعد عن مرمى نيرانها (١٠٠ ) كم . وإرتأت إيران ان قصف بعض الأقطار العربية يشفي غليلها أكثر ، رغم بُعد المسافات التي تصل الى حوالي ( ١,٣٠٠ ) كم ، لِتُنفِّس عن حقد فارسي ضد كل ما هو عربي .

تنص المادة ( ٥١ ) من ميثاق الأمم المتحدة ، من القانون الدولي العام على ما يلي :— [[ إذا كانت ( الدولة الثانية ) تخوض حرباً باستخدام قواعدها العسكرية المتواجدة في ( بلدانٍ أخرى ) ( دولة ثالثة ) ، فإن تلك القواعد تفقد حصانتها السيادية ]] . إستغلت إيران هذه المادة ، ولم تحترم الجوار والجغرافيا .

قلتها منذ ( أزمان ) ، ( قبل ) الخذلان ، وأكررها ( بعد) الخذلان ، لا قواعد بعد الآن ، اذا كان لدينا ( ذرّة ) من كرامة ، واذا كان لدينا قُدرة على رفض السيطرة والطغيان .
من ( يخاف ) ويتعذر عليه رفض بقاء القواعد الأمريكية ، عليه ان يتحجج بعدم القدرة على تمويل إعادة بنائها .

عقلانياً لا توجد مكتسبات من وجود القواعد الأمريكية في الأقطار العربية . بل ثبت ان لها أضراراً خطيرة على تلك الدول لأن أمريكا لم تدافع عن قواعدها ولا عن سيادة تلك الدول التي إنتهكتها إيران .

تضررت جميع القواعد العسكرية الأمريكية المتواجدة في دول الخليج العربي والأردن كثيراً . وتشير المعلومات الى ما يلي :—
١ )) ان أمريكا لم تحصر الأضرار بعد ، وذلك بسبب إستمرار الحرب وتأرجحها بين الإشتعال وهدوء النيران او توقفها في هدنٍ عديدة . مما يعني ان إستهداف تلك القواعد ما يزال مستمراً .
٢ )) ان أمريكا لم تحسم أمرها ، ولم تتخذ قراراً في إستمرارية تلك القواعد او تقليصها عدداً وعدة .
٣ )) نتيجة للسببين المذكورين اعلاه لم تُحدد كُلف إعادة التأهيل ، ولم تتحدد الجهات الممولة ، وهل يكون التمويل جزئياً او كلياً .
٤ )) لا أحد يتوقع مواقف الدول العربية التي تتواجد تلك القواعد على أراضيها .
٥ )) لا أحد يعرف القناعات التي توصلت اليها الأقطار العربية تجاه تلك القواعد ، خاصة بعد ان رشح الكثير من التسريبات عن مسؤولين خليجيين بعدم رغبتهم في إستمرار تواجد تلك القواعد على أراضيهم ، بعدما حصل ، حيث تحولت الى تهديد ، كما تأكد للجميع بان أمريكا لم تعبأ بتلك الأقطار ولم تكترث لآلاف الصواريخ والمسيرات التي دكت تلك الأقطار وانتهكت على سيادتها .
٦ )) هل (( تجرؤ )) الأقطار العربية على الطلب بوضوح من أمريكا بأنها لم تعد ترغب ببقاء تلك القواعد على أراضيها ، وما حصل مؤخراً يعتبر إجابة شايفة على ضررها ، وعدم وجود أية فائدة ترتجى منها !؟ وفيما لو ( تهورت ) وطلبت ، ما هو الرد الأمريكي المتوقع !؟

وأنا أرى ان أمريكا كانت تحبذ قصف إيران لقواعدها في الأقطار العربية على قصف بوارجها وقطعها البحرية في الخليج لأسباب عديدة منها :—
١ )) ان قصف القواعد في الأقطار العربية أقل كلفة بكثير من قصف القطع البحرية في الخليج .
٢ )) ان قصف القواعد الأمريكية في الأقطار العربية ربما يجر العرب للدخول كطرف في الحرب ، عندها ستشتعل الحرب بين إيران والعرب وتنسحب أمريكا وتتركهم يقتتلون الى ما شاء الله .
٣ )) إن قصف القواعد الأمريكية لا يمس هيبة أمريكا مثلما يمسها ضرب إحدى البوارج .
٤ )) إن أمريكا واثقة من ان إعادة تأهيل تلك القواعد ستموله أقطار الخليج العربي .
٥ )) أعتقد ، أقول أعتقد انه كان هناك إتفاقاً سرياً بين امريكا وايران على ان تركز إيران هجماتها على القواعد ، وان تتجنب قصف القطع البحرية في الخليج ، ولا أستبعد ان أمريكا هددت إيران بأنها اذا قصفت وأوقعت أضراراً في قطعها البحرية في الخليج سيكون الرد الأمريكي عنيفاً جداً . وهذا غير مستبعد عما تم في حرب ال ( ١٢ ) يوم في حزيران ٢٠٢٥ .

لا حصر مؤكد لعدد القواعد العسكرية الأمريكية في الوطن العربي ، التي يقبع فيها من ( ٣٠,٠٠٠ — ٥٠,٠٠٠ ) جندي أمريكي . وتعتبر هذه القواعد بمثابة العامود الفقري للتواجد الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط . وتتواجد هذه القواعد في الأقطار العربية التالية ( الأردن / سوريا / العراق / الكويت / البحرين / السعودية / قطر / الإمارات / عُمان / جيبوتي / مصر ) .

نشرت صحيفة نيويورك تايمز ان ( ١٣ ) قاعدة عسكرية أمريكية قد تضررت على الأقل ، واشارت الى ان الأضرار متفاوتة حتى أنها أخرجت بعض تلك القواعد من الخدمة ولو مؤقتاً . وان إعادة إعمارها وتجهيزها تحتاج الى مليارات الدولارات .

بدأت بعض دول الخليج العربي مثل ( السعودية / والإمارات / وقطر / والكويت / والبحرين ) في إعادة تقييم جدوى الإعتماد المطلق على المظلة الأمنية الأمريكية ، وتجلى هذا التحول في قيام بعض هذه الدول ( بفرض قيود ) على إستخدام أراضيها واجوائها لشن هجمات ضد دول الجوار مثل إيران ، تجنباً للإنخراط في الصراعات الإقليمية .

نشرت التقارير والتحليلات السياسية في صحيفة واشنطن بوست ان القواعد العسكرية الأمريكية التي كانت تعتبر (( درعاً واقياً )) للمنطقة أصبحت أهدافاً وسط التصعيد المتزايد ، مما دفع أمريكا نفسها الى نقل بعض عتادها وطائراتها الى مناطق جغرافية أخرى .

يتوقع ان تلجأ دول الخليج الى تنويع شراكاتها الدولية ، مع (( الصين وروسيا )) ، بدلاً من (( الإنهاء الفج )) للوجود الأمريكي . كما تتجه الى ( تصفير ) المشاكل الإقليمية من خلال (( الدبلوماسية )) ، مع الإبقاء على التعاون العسكري مع أمريكا كخيار دفاعي إستراتيجي طويل المدى .

لكن دول الخليج لم تصل الى قناعة تامة بالتخلي عن القواعد العسكرية الأميركية او قطع العلاقات مع أمريكا . الا ان هناك تحولاً بارزاً ومراجعات عميقة تجريها هذه الدول بشأن جدوى ومخاطر هذا التواجد . حيث أثبتت هذه القواعد في الحرب الحالية انها ليست ((مظلة حماية )) بل (( مصدر إنكشاف أمني خطير )) ، يجعل الدول الخليجية هدفاُ أكيداً للصواريخ والمسيرات الإيرانية . كما اتجهت دول الخليج الى فرض قيود صارمة تمنع أمريكا من إستخدام أراضيها او مجالها الجوي لشن هجمات مباشرة على إيران .

الدول الكبرى لا تغامر مطلقاً حتى مع حلفائها ، فكيف تغامر وتخوض حروباً مع من هم ليسوا بمستوى حلفاء ، بل تابعون وأذناب .

بعد الآن ، وبعد الخذلان الأمريكي للعرب ، يفترض ان لا يكون هناك قواعد أمريكية في المنطقة العربية .

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى