منبر الكلمة

كثرة شكايات الناس من التفاصيل الحياتية البسيطة… واقعٌ مُثقَل بالتمنّيات

 

عدنان نصّار

لم تعد شكايات الناس في مجتمعاتنا اليوم تدور حول القضايا الكبرى وحدها، ولا تتوقف عند العناوين السياسية أو الاقتصادية العريضة، بل انزلقت – أو لعلها ارتقت – إلى مستوى التفاصيل اليومية البسيطة. تفاصيل الحياة التي تُفترض بديهيتها: خدمة عامة تعمل دون تعطّل، دخل يكفي الحدّ الأدنى من المعيشة، معاملة إدارية لا تستنزف الكرامة قبل الوقت، وشارع يمكن عبوره دون شعور دائم بالاختناق.
هذه الشكايات المتكررة، والمتشابهة في ظاهرها، ليست تعبيرًا عن نزعة تذمّر عامة، ولا عن حالة نفسية جماعية متشائمة، كما يُراد أحيانًا تصويرها. إنها توصيف صادق لحالة إنهاك متراكمة، صنعها واقع لم يعد يحتمل مزيدًا من التحمّل، ولا يقوى على تجاهل التفاصيل باعتبارها أمورًا ثانوية.
حين يشكو المواطن من فاتورة ماء أو كهرباء، أو من تأخير معاملة، أو من غلاء سلعة أساسية، فهو لا يشكو الرقم بحد ذاته، بل ما يمثّله هذا الرقم في حياته. يشكو شعوره بأن يومه أصبح معركة صغيرة متكررة، وأن أبسط حقوقه باتت مرهونة بالصبر الطويل، أو بالقدرة على التكيّف القاسي، أو أحيانًا بالاستسلام.
المفارقة أن غالبية هذه الشكايات لا تحمل مطالب كبرى، ولا تتغذّى على طموحات غير واقعية. لا حديث عن رفاهٍ مفرط، ولا عن أحلام استثنائية. بل عن حياة “عادية” فحسب. عن القدرة على التخطيط ليومٍ قادم دون خوف، وعن الإحساس بأن الجهد المبذول في العمل ينعكس استقرارًا لا قلقًا إضافيًا. إنها تمنّيات بسيطة، لكنها في واقعٍ مثقل بالأعباء تتحوّل إلى أحمال نفسية ثقيلة.
في المقابل، يبرز خطاب رسمي واجتماعي يُكثر من استدعاء الصبر بوصفه حلًا جاهزًا لكل الأزمات. الصبر، في جوهره، قيمة إنسانية عالية، لكن المشكلة تبدأ حين يُستبدل به عن الحلول، وحين يُستخدم كأداة لتطبيع المعاناة بدل معالجتها. فالصبر لا ينبغي أن يكون سياسة عامة، ولا مبررًا لاستمرار الاختلالات، ولا بديلًا عن التخطيط والإصلاح.
كثرة الشكايات تكشف أيضًا عن فجوة حقيقية بين ما يُصاغ في المكاتب، وما يُعاش في البيوت. فالتفاصيل التي تبدو هامشية في لغة الأرقام والتقارير، هي في الحقيقة مركزية في حياة الناس. تجاهلها لا يُخفف حدّتها، بل يُراكم الإحساس بعدم الاكتراث، ويُعمّق شعور الفرد بأنه خارج حسابات القرار.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة هذا المشهد من زاوية سوداوية خالصة. فاستمرار الشكوى، رغم قسوة الواقع، يعني أن الناس لم تفقد بعد إحساسها بحقّها في حياة أفضل. لم تصل إلى مرحلة الصمت المقلق، ولا إلى القبول الكامل بالواقع كما هو. الشكوى هنا ليست ضعفًا، بل تعبير هادئ عن وعيٍ لا يزال حيًا، وعن رغبة في الإصلاح لا في الهدم.

كثرة شكايات الناس من التفاصيل الحياتية البسيطة ليست ظاهرة عابرة ولا مزاجًا طارئًا. إنها مؤشر واضح على واقعٍ يوميّ بات أثقل من الاحتمال، وعلى فجوة تحتاج إلى ردمٍ هادئ وعاقل. فمعالجة التفاصيل ليست ترفًا سياسيًا ولا إداريًا، بل مدخلٌ أساسي لاستعادة الثقة، وإعادة الاعتبار للإنسان في يومه العادي، قبل أن يُطلب منه مزيد من الصبر، ومزيد من التمنّيات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى