QFEX 2026
عربي و دولياخر الاخبار

“قطعان التهجير”.. كيف تحول المزارع الرعوية قرى الضفة إلى معزل بغطاء رسمي وتمويل حكومي؟

افاق نيوز – تشكل قطعان الأغنام رأس حربة في إستراتيجية استيطانية ناعمة لكنها فتاكة، تستهدف قضم الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية ودفع سكانها إلى الرحيل القسري. وفي حين كشف تقرير لبرنامج “60 دقيقة” (60 Minutes) على شبكة (CBS) الأميركية جانبا من كواليس “الاستيطان الرعوي”، فإن الوقائع الميدانية تتجاوز مجرد اعتداءات فردية، لتفضح منظومة متكاملة تقف وراءها بنية سياسية وعسكرية توفر الغطاء والتمويل لفرض الحقائق على الأرض.

نمط الحصار.. من نقطة صغيرة إلى سيطرة واسعة

يظهر تحليل آلاف الدونمات المصدورة أن الاستيطان لم يعد يحتاج إلى كتل إسمنتية ضخمة لفرض هيمنته؛ إذ يكفي غرس بؤرة رعوية محدودة على تلة مشرفة لتتحول إلى بيئة طرد للتجمعات الفلسطينية المجاورة.

وتتقاطع هذه المعطيات مع توثيق مركز “بتسيلم” الحقوقي، الذي يرصد نمطا عماده التدريج الإجباري:

إنشاء المزرعة: زرع خيمة أو حظيرة أغنام في أراضي الرعي الفلسطينية.

الترهيب والعزل: منع الرعاة والمزارعين الفلسطينيين من الوصول إلى حقولهم وينابيع المياه، عبر التهديد المباشر، وتخريب الممتلكات، والاعتداء على المواشي.

التهجير الاقتصادي: تجفيف مصادر الرزق للسكان الأصليين، مما يجبرهم على الرحيل حتى قبل أن يتم تغيير الوضع القانوني للأرض رسميا.

شبكة التمويل الرسمي.. ملايين الشواقل تحت لافتة “الأمن”
تنهار رواية “العنف الفردي” أمام بيانات التمويل الحكومي الموثقة؛ حيث كشفت حركة “السلام الآن” عن رصد موارد مالية طائلة لتثبيت هذه البؤر عبر قنوات رسمية:

28 مليون شيكل: خصصت للمزارع والبؤر خلال عام 2023.

75 مليون شيكل إضافية: جرى تحويلها خلال عامي 2024 و2025 ضمن بند يحمل مسمى “المكونات الأمنية”.

وشملت هذه المنظومة تزويد البؤر بشبكات كاميرات متطورة، وطائرات مسيرة (درون)، ومركبات دفع رباعي، وألواح طاقة شمسية، إضافة إلى شق طرق تربطها بالمستوطنات الكبرى. وجرى تمرير هذا التمويل عبر “المجالس الإقليمية للمستوطنات” و”شعبة الاستيطان”، مما مكن بؤرا توصف حتى في القانون الإسرائيلي بـ”غير القانونية” من نيل رعاية حكومية كاملة تثبت وجودها.

السردية التوراتية في مواجهة الشرعية الدولية
يقع بعض التغطيات الإعلامية الغربية في فخ تأطير هذا الصراع كنزاع تاريخي بين “أبناء إسحاق وإسماعيل”، وهو مدخل يضلل الرأي العام بمساواة قوة الاحتلال بسكان عزل يجردون من أراضيهم؛ فالقضية ليست سجالا لاهوتيا، بل قضية احتلال عسكري غير مشروع.

وفي هذا السياق، يأتي الرأي الاستشاري لـ”محكمة العدل الدولية” الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 ليقدم المرجعية القانونية الحاسمة:

التأكيد على عدم شرعية استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

الإلزام القانوني بوقف كافة الأنشطة الاستيطانية الجديدة وإجلاء المستوطنين.

تصنيف عنف المستوطنين وإرهابهم للسكان ضمن سياسة الدولة الممنهجة لفرض الضم الفعلي.

إن الأرض لا تسلب لمجرد وصول خراف ترعى في شعابها، بل لأن خلف كل راع مستوطن بندقية جندي تحميه، وقرارا سياسيا يشرعن بقاءه، وملايين الشواقل التي تغذي توسعه؛ ليبقى “الاستيطان الرعوي” واحدا من أبرز أدوات التطهير المكاني الصامت في الضفة الغربية.

زر الذهاب إلى الأعلى