عيد البشارة: العذراء مريم أيقونة للبشرية جمعاء

عمان-الأردن
٢٠٢٦/٣/٢٥
القس سامر عازر
عيد البشارة هو سرٌّ إلهيٌّ يتجاوز الزمن، ويكشف عن قلب الله المنفتح على الإنسان. ففي لحظة البشارة، لم يُعلَن خبرٌ فحسب، بل ابتدأ تدبير الخلاص يتحقق في التاريخ، حيث يلتقي الأزلي بالزمني، واللامحدود بالمحدود، في فعل محبة لا يُقاس. إنّه عيد الفرح لأن الله اقترب حتى أقصى حدود القرب، وعيد الرجاء لأن الإنسان لم يعد متروكًا لذاته، بل صار مدعوًا إلى شركة الحياة مع الله، كذلك علامة للإلتقاء حول العذراء المباركة وابنها يسوع.
يضعنا الإنجيل أمام مشهد مهيب وبسيط في آنٍ معًا: “أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ… إِلَى عَذْرَاءَ” (لوقا 1: 26-27). في هذا الإرسال الإلهي تتجلى مبادرة الله الحرّة، إذ لم ينتظر استحقاق الإنسان بل جاء إليه بنعمة سابقة. وهنا تظهر العذراء مريم لا كشخصية عابرة في التاريخ، بل كأيقونة للإنسانية كلها، تلك التي تقف على تخوم الحرية، مدعوة لأن تقول “نعم” أو “لا”. لم يكن سؤالها: “كَيْفَ يَكُونُ هذَا؟” (لوقا 1: 34) تعبيرًا عن شك، بل عن سعي للفهم داخل الإيمان، لأن الإيمان الحقيقي لا يلغي العقل بل ينيره.
وعندما نطقت مريم بكلمتها: “هَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ، لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ” (لوقا 1: 38)، لم تكن هذه مجرد طاعة، بل كانت انخراطًا وجوديًا في مشروع الله الخلاصي. في تلك اللحظة، تمّ اللقاء بين حرية الإنسان ونعمة الله، فصار جسدها موضع التجسد، وصار التاريخ مفتوحًا على الأبدية. هنا تكمن عظمة هذا العيد: أن الله شاء أن يحتاج إلى “نعم” إنسانية ليتمّم عمله.
ومن عمق هذا السرّ ينبثق التحول الجذري في مسار التاريخ. فالتجسد الذي ابتدأ بالبشارة ليس حدثًا معزولًا، بل هو بداية طريق الصليب والقيامة. إن كلمة الإنجيل: “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا” (يوحنا 1: 14) تختصر هذا التحول، حيث لم يعد الله موضوع بحث فلسفي أو تصوّر ديني، بل صار حضورًا حيًا في قلب العالم. لقد أعاد التجسد للإنسان كرامته، إذ كشف له أن حياته ليست عبثًا، بل دعوة إلى التألّه، إلى المشاركة في حياة الله نفسه.
وفي هذا الأفق، لا يمكن أن يبقى عيد البشارة ذكرى خارجية، بل هو دعوة متجددة لأن نحيا سرّه في حياتنا اليومية. فكما انفتحت مريم على كلمة الله، نحن أيضًا مدعوون أن نفتح قلوبنا لكلمته، وأن نجعل من ذواتنا موضعًا لحضوره. إن “نعم” مريم ليست كلمة في الماضي، بل هي نمط حياة يُطلب من كل مؤمن: أن يثق رغم الغموض، وأن يحب رغم الألم، وأن يرجو رغم قسوة الواقع. فالبشارة تتجدد كلما انتصر الإنسان على خوفه، واختار أن يسير مع الله في طريق لا يخلو من الصليب، لكنه يقود حتمًا إلى القيامة.
ومن اللافت أن هذا السرّ ليس حكرًا على الإيمان المسيحي وحده، بل يمتد صداه في وجدان ديني أوسع، حيث تحظى العذراء مريم بمكانة سامية في الإسلام، ويُكرَّم السيد المسيح كنبي وككلمة الله. هذا الالتقاء حول شخصيتي مريم ويسوع ليس تفصيلًا ثانويًا، بل هو علامة على إمكانية اللقاء العميق بين المؤمنين، إذ يكشف أن في جوهر الإيمان توقًا مشتركًا إلى الطهارة، وإلى الله، وإلى الخلاص. ومن هنا، يصبح عيد البشارة جسرًا روحيًا يربط ولا يفصل، ويجمع ولا يفرق.
إن هذا العيد، في عمقه، يقدّم رؤية لاهوتية وإنسانية للوئام الحقيقي، حيث لا تُلغى الاختلافات، بل تُحتضن ضمن أفق أوسع من الاحترام والمحبة. ففي عالم يميل إلى الانقسام، يذكّرنا سرّ البشارة أن الله بدأ خلاصه في صمت بيت متواضع، لا في صخب الصراعات، وأن قوته تجلت في قبول إنسانة بسيطة، لا في فرض الهيمنة. وهكذا، يصبح العيد دعوة لأن نعيد اكتشاف معنى الأخوّة، ليس كشعار، بل كمسؤولية تنبع من إيمان حي.
في النهاية، يقف الإنسان أمام هذا السرّ مدعوًا لأن يتخذ موقفًا: إما أن يبقى متفرجًا على حدث مضى، أو أن يدخل فيه كخبرة حيّة. فالبشارة ليست فقط ما حدث لمريم، بل ما يمكن أن يحدث في كل قلب ينفتح على الله. إنها دعوة لأن نصير نحن أيضًا “بشارة”، نحمل في داخلنا حضور المسيح، وننقله إلى عالم يئن تحت ثقل اليأس. وحينئذٍ فقط، يتحول العيد إلى حياة، والذكرى إلى رجاء، والتاريخ إلى خلاص مستمر.



