منبر الكلمة

عزاء الصرايرة… حين أُغلِق الباب في وجه السفير الأمريكي مرة أخرى

من الوعي إلى الفعل

 

بقلم: مؤيد المجالي

 

لم يكن رفض عائلة اللواء الراحل إبراهيم الصرايرة استقبال سفير الدولة العظمى أمريكيا في بيت العزاء حادثة اجتماعية عابرة، ولا تصرّفًا انفعاليًا يمكن اختزاله في الخصوصية العائلية. ما جرى هو موقف واعٍ أيضاً، محسوب، ومحمّل برسالة سياسية وأخلاقية مباشرة، يعكس تحوّلًا واضحًا في علاقة المجتمع الأردني مع الدبلوماسية التي تحاول التسلل إلى الوجدان من بوابة العزاء.

بيت العزاء في الثقافة الأردنية ليس مساحة بروتوكولية، ولا ساحة علاقات عامة، ولا منصة لتبييض السياسات أو اختبار النوايا. هو مقام أخلاقي خالص، تحكمه الصدقية والوجدان الجمعي. ومن هنا، فإن إدخال رموز السياسة الدولية إلى هذا الفضاء الحساس يضع المجتمع أمام سؤال جوهري: هل يُفصل الإنسان عن السياسة حين تكون السياسة شريكة في الظلم؟

رفض الاستقبال لم يكن موجّهًا إلى شخص السفير بقدر ما كان محاكمة أخلاقية لسياسة كاملة. فالدبلوماسي، مهما بدا مهذبًا أو متعاطفًا، لا يمثل ذاته، بل يمثل دولة وخيارات ومواقف. ومن يصرّ على دعم الاحتلال، أو تبرير الجرائم، أو تغطية القتل بخطاب ناعم، لا يملك حق الدخول إلى بيوت الأردنيين تحت عنوان “الواجب الإنساني”.

اللافت – وربما المقلق للدبلوماسية الأمريكية – أن هذا الرفض جاء هادئًا، محترمًا، وخاليًا من الضجيج. لا هتاف، لا شتم، لا استعراض. فقط إغلاق باب. وهذا النوع من المواقف هو الأخطر على السياسة التقليدية، لأنه لا يمكن احتواؤه ولا تشويهه ولا اتهامه بالفوضى. إنه رفض نظيف، أخلاقي، صادر من قلب المجتمع لا من هوامشه.

في هذا السياق، لا يمكن فصل ما جرى في عزاء الصرايرة عمّا كتبته سابقًا في مقالي «الدبلوماسية في مواجهة الوعي الشعبي». ما حذّرت منه هناك يتجسّد هنا بوضوح: الدبلوماسية تفقد فعاليتها كلما اقتربت من المساحات الأخلاقية للمجتمع، وكلما حاولت تجاوز الوعي الشعبي بدل احترامه. ما كان يُقرأ بالأمس كنص تحليلي، تحوّل اليوم إلى فعل اجتماعي صريح.

الرسالة التي بعثتها عائلة الصرايرة لا تتعلق بالمجاملة ولا بالعداء، بل بالاتساق. فالعزاء لا يُستخدم لتجميل المواقف، ولا لتخفيف وطأة سياسات تناقض أبسط القيم الإنسانية. ومن يطلب التعاطف الاجتماعي، عليه أولًا أن يراجع موقعه الأخلاقي في السياسة.

بهذا المعنى، فإن المقالين – السابق والحالي – ينتميان إلى سلسلة فكرية واحدة، تبدأ بالتشخيص ولا تتوقف عند الوصف، بل تلاحق التحوّل من الوعي إلى الفعل. هذا هو أسلوبي الذي لم أخفِه يومًا: ربط الحدث بسياقه، ونزع البراءة عن السياسة حين تتخفّى، وتسميتها بأسمائها دون انفعال ودون مواربة. ما كتبته بالأمس قرأ الواقع، وما جرى اليوم أكّد القراءة. وبين النص والحدث، تتكرّس حقيقة واحدة: الوعي الشعبي الأردني لم يعد يكتفي بالفهم، بل بات يترجم موقفه عمليًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى