
عاصفة السندات تضرب الحياة اليومية: تداعيات الارتفاع القياسي للعوائد تطاول الحكومات والمواطنين
افاق نيوز – تتصدر عوائد السندات الحكومية النقاشات في الأروقة الاقتصادية الدولية، بعد تسجيلها ارتفاعات مذهلة لم تشهدها الدول منذ سنوات طويلة. فقد بلغ عائد السندات اليابانية لأجل عشر سنوات نسبة 3% لأول مرة منذ عام 1996، فيما تقترب تكاليف الاقتراض البريطانية لمدة 30 عاماً من أعلى مستوياتها منذ 30 عاماً، ووصلت عوائد السندات الألمانية والفرنسية لأجل عشر سنوات هذا الأسبوع إلى مستويات لم تشهدها منذ عامي 2011 و2008 على التوالي.
كذا ارتفع عائد السندات الحكومية الأسترالية لأجل عشر سنوات إلى 5.198%، وهو أعلى مستوى له منذ أكثر من 15 عاماً. أما عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات فقد سجلت أمس الأربعاء أعلى مستوى لها منذ منتصف عام 2023 عند حوالي 4.80%.
هذه النسب المئوية ليست مجرد أرقام في عالم الأسواق المالية، وإنما لها تأثيرات مباشرة على هيكل الاقتصادات، وتطاول الأوضاع المالية للحكومات، أرباح الشركات، وتدخل إلى كل بيت في العالم ضاربة الميزانيات الأسرية بالأعباء الإضافية.
تأثير ارتفاع عوائد السندات على الحكومات
بداية تعتبر السندات الحكومية أدوات دين تصدرها الحكومات بهدف الاقتراض من المؤسسات والأفراد لتقوم بجمع أموال تغطي الإنفاق العام ولتمويل مشاريع عامة أو حتى لسد العجز في الموازنة، وتكتسب هذه السندات أهميتها من كونها لا تحمل مخاطر كبيرة على الذين يشترونها، إذ إن الحكومات تحدد آجال استحقاق لهذه السندات، منها قصير الأجل يستحق خلال أشهر، ومتوسط الأجل ما بين سنة إلى عشر سنوات، وصولاً إلى السندات طويلة الأجل والتي تصل إلى 30 عاماً.
أما الأمان الاستثماري المرتبط بهذه السندات فيعود إلى نسبة الفائدة المحددة والثابتة على كل سند، وبالتالي يحصل المستثمر على الفائدة في موعدها الدوري (عادة نصف سنوي أو سنوي) ومع نهاية الأجل تدفع الحكومة قيمة السند الاسمية كاملة، كما أن من يصدر السند هي الحكومة والأخيرة ملزمة بسداد التزاماتها، وحتى في حال التعثر والأزمات المالية، تعتبر الديون السيادية ذات أولوية قصوى كون التخلف عن سدادها يعرض سمعة الدول المالية وموثوقيتها للخطر.
ولكن، خلال فترة السند، يمكن للمستثمر بيعه قبل تاريخ الاستحقاق فيما يعرف بالسوق الثانوي حيث تحصل حركة البيع والشراء وتحديد أسعار السندات ومنها نسبة العوائد. حالياً مثلاً يوجد حركة بيع كثيفة للسندات، والأسباب متعددة، إذ إن العلاقة ما بين الفائدة والسندات عكسية، ورفع الفائدة يعني أن السندات الجديدة التي ستصدرها الحكومات ستكون بفوائد أعلى، ما يخفف جاذبية السندات القديمة كون فوائدها أقل.
وبما أن إغلاق مضيق هرمز والحرب الإيرانية وكذا الضربات على البحر الأسود بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا مستمرة، إضافة إلى الجفاف والتغير المناخي الذي يؤثر على المزروعات، فإن الضغوط على أسعار النفط والسلع الأساسية تتصاعد، ما يعني ارتفاع التضخم، وبالتالي تدخل البنوك المركزية لزيادة أسعار الفائدة الاسمية يعتبر أكثر ترجيحاً، ما يعني إصدار سندات حكومية جديدة بفوائد أعلى، وهذا الاتجاه النقدي يدفع المستثمرين إلى تكثيف بيع سنداتهم القديمة خاصة ذات الآجال من عشرة إلى ثلاثين عاماً.
كما يواجه العديد من الحكومات وضمنها الكبرى أزمات اقتصادية عميقة، وبعضها دخل في انكماش ووصل إلى حافة الركود، ما يخيف مستثمري السندات ويدفعهم إلى البيع أيضاً، وقلة ثقة المستثمرين بخطط الحكومات والبنوك المركزية في السيطرة على التضخم، وبالتالي يطالبون بما يسمى “علاوة المخاطر التضخمية” للموافقة على شراء السندات الجديدة، وفي هذه الأثناء يبيعون سنداتهم القديمة بكثافة ما يهبط بأسعارها.
ولتوضيح الفكرة أكثر، إذا كان المستثمر اشترى السند الحكومي القديم بالقيمة الاسمية 100 دولار بفائدة 3%، أي ثلاثة دولارات سنوياً، وستقوم الحكومة بإصدار سندات جديدة بفوائد 5%، يقوم المستثمر ببيع سنده القديم في السوق الثانوي بسعر أقل، لأن السندات الجديدة أكثر إغراءً، فسيطرحه مثلاً بـ80 دولاراً. يأتي مستثمر آخر، ويشتري هذا السند. صحيح أن الفائدة ثابتة وهي ثلاثة دولارات، إلا أن العائد الفعلي للمستثمر الجديد سيكون ثلاثة دولارات مقسومة على 80 دولاراً (ضرب 100) أي 3.75%، بدلاً من ثلاثة دولارات مقسومة على 100 دولار (ضرب 100) أي 3% وهي الفائدة الأساسية.
وهكذا تصبح الصورة كالتالي: كلما انخفض سعر السند في السوق الثانوي ارتفعت عوائده. كل ذلك يعني أن الحكومة التي كانت تبيع سنداً بفائدة 3%، ستبيعه بفائدة أعلى، ما يعني بالتالي ارتفاع كلفة الاقتراض. مثلاً وصلت ديون الحكومة الأميركية إلى 40 تريليون دولار، وستكون مجبرة على دفع فوائد أعلى على السندات الجديدة التي تصدرها لتمويل إنفاقها الضخم.
ويقول خبراء الميزانية إن النتيجة هي أزمة مالية وشيكة من المرجح أن تجبر الكونغرس والرئاسة على اتخاذ خطوات غير شعبية سياسياً إما لرفع الضرائب أو تقليص شبكة الأمان الاجتماعي، والتي قد تشمل الضمان الاجتماعي.
التأثير على الحياة اليومية
ماذا تعني كل هذه التفاصيل بالنسبة إلى المواطن العادي؟ البداية من تأثير صعود العوائد على ارتفاع كلفة اقتراض الحكومات، حيث إن ذلك يعني زيادة الإنفاق من الأموال العامة لتمويل الديون، والأموال العامة تأتي عادة من الضرائب والرسوم، والتي يدفعها المواطن وكذا الشركات التي تخلق مواطن التوظيف، ويطاول ذلك أيضاً الإنفاق على الحاجات والخدمات الأساسية بالهبوط.
يمكن أخذ بريطانيا مثالاً، حيث أكدت وزارة المالية أنها ستموّل جميع النفقات اليومية من الضرائب لا من الاقتراض، ولكن دفع مبالغ إضافية على السندات يعني استنزافاً أكبر للإيرادات الضريبية، ما يعني أن عائدات الرسوم والضرائب التي كانت ستوجه مثلاً للتعليم أو تطوير النظام الصحي، سيقتطع منها لتمويل الكلفة الإضافية على إصدار السندات الجديدة.
أما زيادة الضرائب والرسوم فتؤثر على أرباح الشركات، وبالتالي على زيادة الأجور أو طلب المزيد من الموظفين، أو حتى صرف العديد منهم لتحقيق التوازن المالي. كما تؤثر العوائد المرتفعة على سوق الأسهم، حيث توجد الشركات الكبرى، إذ إن زيادة الفائدة على السندات تجعلها أكثر جاذبية، ما يقلل الاندفاع نحو سوق الأسهم الذي يتأثر بسرعة بالأزمات، ويعتبر عالي المخاطر.
ومع ارتفاع عوائد السندات الحكومية تتراجع قدرة الشركات على الاقتراض بعوائد أقل، ما يلزمها على دفع فوائد أعلى لإصدار سنداتها الخاصة أو للحصول على قروض مصرفية، ما يزيد الضغوط على موازناتها.
وتمتد التأثيرات إلى القروض السكنية، وأيضاً قروض السيارات والبطاقات الائتمانية وصولاً إلى القروض الطلابية، التي ترتبط مباشرة بعوائد السندات طويلة الأجل خاصة العشر سنوات، حيث تضطر المصارف إلى زيادة فوائد القروض ما يرفع الأقساط الشهرية على المواطنين.
