
زيت الزيتون في الأردن.. من أزمة الإنتاج وارتفاع الأسعار إلى وفرة الموسم الجديد، فهل تعود الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية؟
بقلم أ.د. عاطف البواب
نحن الآن في موسم قطاف الزيتون، حيث يُعد قطاع الزيتون وزيته من أهم الأنشطة الزراعية في الأردن، ليس باعتباره منتجاً غذائياً أساسياً فحسب، بل لما يوفره من دخل للمزارعين وفرص عمل في قطاعات الزراعة والعصر والتعبئة والتسويق والنقل والتجارة. ولذلك فإن تقلب إنتاج الزيتون وأسعاره لا ينعكس على المستهلك وحده، وإنما يمتد أثره إلى الاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي والدخل الريفي.
وتشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن مساهمة قطاع الزراعة والحراجة وصيد الأسماك بلغت 5.15% من الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لعام 2024، مقابل 4.96% عام 2023. أما زيت الزيتون تحديداً، فقد بلغت قيمة إنتاجه نحو 223.9 مليون دينار عام 2024، وفق بيانات حكومية أوردتها وكالة رويترز. وهذا الرقم يعكس القيمة الإنتاجية للمحصول، وليس مساهمته الصافية في الناتج المحلي، لكنه يكشف عن الأهمية الاقتصادية لهذا القطاع.
موسم 2025.. انخفاض الإنتاج وانفجار الأسعار
شهد موسم 2025 تراجعاً حاداً في إنتاج زيت الزيتون، إذ أظهرت نتائج مسح معاصر الزيتون الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة أن الإنتاج بلغ 16,342 طناً فقط، مقارنة بـ35,828 طناً في الموسم السابق، بانخفاض نسبته 54.4%، كما جاء أقل من المعدل العام للفترة 2012-2024 البالغ 24,923 طناً بنسبة 34.4%.
هذا التراجع انعكس مباشرة على الأسعار، حيث وصلت أسعار تنكة الزيت سعة 16 كيلوغراماً إلى مستويات تراوحت بين 130 و150 ديناراً، مقارنة بنحو 90 إلى 110 دنانير في موسم 2024. ولم يكن الارتفاع مجرد نتيجة لزيادة الطلب، بل ارتبط أساساً بانخفاض المعروض المحلي، وضعف الهطول المطري، وارتفاع درجات الحرارة خلال مراحل الإزهار وتكوين الثمار، إضافة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأمام هذا النقص، اتجهت الحكومة إلى فتح باب الاستيراد، ومنحت وزارة الزراعة تراخيص لاستيراد نحو 4 آلاف طن من زيت الزيتون، شملت مصادر من بينها تونس وإسبانيا. كما وصلت كميات من الزيت التونسي إلى المؤسسة الاستهلاكية المدنية، وجرى توفير عبوة الخمسة لترات بسعر 21 ديناراً بعد الفحوصات اللازمة. وكان الهدف توفير بديل للمستهلك وتخفيف الضغط على الأسعار المحلية.
موسم 2026.. هل تنهي وفرة الإنتاج أزمة الأسعار؟
على النقيض من الموسم السابق، تبدو المؤشرات الأولية للموسم الحالي أكثر تفاؤلاً. فقد أعلنت وزارة الزراعة أن التقديرات تشير إلى إنتاج يقارب 30 ألف طن من زيت الزيتون، مقابل احتياجات محلية تقدر بنحو 25 ألف طن، أي إن هناك فائضاً متوقعاً بنحو خمسة آلاف طن.
ووفق تصريحات مدير مديرية الزيتون في الوزارة، فإن سعر التنكة يتراوح حالياً بين 90 و110 دنانير، وهو تراجع ملموس مقارنة بالأسعار التي سجلها الموسم الماضي. كما أكدت الوزارة عدم وجود حاجة حالياً لاستيراد الزيت التونسي في ظل وفرة الإنتاج المتوقعة، مع إمكانية دراسة التصدير وفق تطورات السوق.
لكن السؤال الاقتصادي المهم: هل تكفي وفرة المحصول وحدها لضمان انخفاض الأسعار واستقرارها؟ من الناحية النظرية، فإن زيادة العرض يفترض أن تؤدي إلى انخفاض الأسعار، إلا أن كلف العمالة والقطاف والعصر والطاقة والتعبئة والتسويق تبقى عوامل مؤثرة في السعر النهائي. كما أن تقديرات الإنتاج لا تصبح واقعاً نهائياً إلا بعد انتهاء الموسم وظهور النتائج الفعلية.
المطلوب.. حماية المنتج والمستهلك معاً
إن الحكومة مطالبة باستثمار الموسم الوفير في إعادة التوازن إلى سوق زيت الزيتون، وعدم السماح باستمرار مستويات الأسعار المرتفعة رغم تحسن الإنتاج. كما ينبغي وضع سياسة تسويقية واضحة لتصريف الفائض، وتشجيع التصدير، ودعم الصناعات المرتبطة بالزيتون، وتطوير التعبئة والتغليف لزيادة القيمة المضافة والصادرات.
ومن المهم أيضاً نشر بيانات سنوية عن قيمة إنتاج الزيتون وزيته، وحجم الصادرات والواردات، وعدد العاملين في هذا القطاع، بما يسمح بقياس مساهمته الحقيقية في الناتج المحلي الإجمالي.
إن زيت الزيتون ليس مجرد سلعة موسمية على موائد الأردنيين، بل ثروة زراعية واقتصادية تستحق سياسة وطنية مستدامة. والنجاح الحقيقي ليس في تحقيق موسم وفير لمرة واحدة، بل في تحويل الوفرة إلى دخل عادل للمزارع وسعر مناسب للمستهلك ومساهمة أكبر في الاقتصاد الوطني.
