حين يُختزل رمضان في العصبية واعلانات الولائم … من يسرق روحانيات الشهر الفضيل ؟

د.خلدون نصير / المدير المسؤول
مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتكرر المشهد ذاته كل عام تتصاعد الحملات الإعلانية للطعام والشراب، تتكاثر العروض التجارية، تمتلئ الشاشات بمشاهد الموائد العامرة، وتنتشر على منصات التواصل مقاطع تسخر من “العصبية الرمضانية” وفقدان الأعصاب، وكأن الشهر الفضيل أصبح موسمًا لتبرير التوتر لا تهذيب النفس.
شيئًا فشيئًا، يتم تفريغ رمضان من معناه العميق،، يُعاد تشكيل صورته في الوعي العام لا بوصفه شهر عبادة وزهد ومراجعة للنفس، بل كحدث استهلاكي موسمي، يُقاس بعدد المسلسلات، وحجم الولائم، ونسب المشاهدة.
المشكلة لا تكمن في إعلان هنا أو مزحة هناك ……….
المشكلة في التراكم الثقافي الذي يعيد تعريف الشهر في أذهان الأجيال، حين تتحول “العصبية الرمضانية” إلى مادة للضحك المتكرر، وحين يُبرَّر سوء الخلق بعبارة: “صايم ومضغوط”، فإننا لا نمارس الدعابة فحسب، بل نُطبع مع صورة مشوهة للصيام، نُطبع مع فكرة أن الصيام يجلب التوتر، نُطبع مع سلوكيات يفترض أن الشهر جاء ليعالجها لا ليبررها، رمضان لم يكن يومًا شهر أعصاب، هو شهر كفّ النفس، وضبط اللسان، وتهذيب السلوك، هو تدريب عملي على الصبر، وإعادة بناء العلاقة مع الذات والناس والله.
الصيام ليس امتناعًا عن الطعام فقط، بل امتناع عن الأذى،
ولذلك فإن اختزال الشهر في مظاهر الغضب أو الشراهة أو السهر الاستهلاكي، يُعد انحرافًا عن جوهره، والأخطر من السخرية ذاتها هو اعتيادها، فالجيل الذي يكبر وهو يرى العصبية الرمضانية مشهدًا طبيعيًا ومضحكًا، سيكبر وهو يتقبلها كسلوك عادي، والشهر الذي يُختزل في الطعام والإعلانات، يفقد تدريجيًا هيبته الروحية في الوجدان الجمعي.
لا أحد يطالب بإلغاء الفرح، ولا بتحريم الدعابة، ولا بإغلاق الأسواق، لكن ثمة فرقًا بين الفرح المشروع، وبين تسويق الرذيلة كأمر طبيعي، وثمة فرق بين الاحتفاء بالشهر، وبين استنزاف روحه في سباق استهلاكي لا ينتهي،رمضان شهر رحمة ومغفرة،شهر صلة رحم وتسامح،شهر مراجعة حسابات النفس قبل حسابات البطاقات البنكية.
والمسؤولية هنا جماعية….
الإعلام مسؤول عن الصورة التي يرسخها، صنّاع المحتوى مسؤولون عن الرسائل التي يكررونها، الأسر مسؤولة عن التربية التي تغرسها، وكل فرد مسؤول عن ما يختار نشره أو إعادة تداوله، ليس المطلوب أن نلتفت إلى المظاهر السلبية فنضخمها ، ولا أن نجعل الرذائل محتوى موسميًا نتداوله للترفيه، المطلوب أن نُعيد توجيه البوصلة نحو المعاني التي جاء بها الشهرالفضيل مثل الصبر والعفو والرحمة والانضباط الأخلاقي.
رمضان ليس موسم توتر، رمضان مدرسة أخلاق، ومن أراد أن يعرف كيف استقبل الشهر حقًا،
فلينظر إلى خُلُقه، قبل أن ينظر إلى مائدته،



