منبر الكلمة

رحيل رجل الدولة… أحمد عبيدات والدرس الذي لا يشيخ..

 

عدنان نصّار

حين يرحل رجال الدولة الحقيقيون، لا يُطوى خبرهم مع عدد الصحف، ولا يبهت أثرهم مع تغيّر العناوين. رحيل الدولة أحمد عبدالمجيد عبيدات ليس حدثًا عابرًا في سجل الوفيات، بل لحظة وطنية تستدعي التأمل في معنى الدولة، وقيمة النزاهة، وثقل المسؤولية حين تُحمل بضميرٍ حيّ. غادر عبيدات المشهد بعد مسيرة طويلة، لكنه ترك وراءه سؤالًا مفتوحًا: كيف يُصنع رجل الدولة؟ وكيف يبقى اسمه حاضرًا بعد أن يغيب الجسد؟
وُلد عبيدات في بلدة حرتا ، شمال الأردن، ونشأ على قيم الانضباط والجدية، قبل أن يشق طريقه في العمل العام بثباتٍ لا يطلب الأضواء. درس الحقوق، ففهم مبكرًا أن الدولة لا تقوم على القوة وحدها، بل على القانون حين يكون مرجعية، وعلى المؤسسات حين تُدار بعقلٍ بارد وقلبٍ مسؤول. في مسيرته، لم يكن المنصب غاية، بل أداة لخدمة فكرة أوسع: حماية الدولة وصون المجتمع.
في مواقع القرار… اختبار الحكمة لا الضجيج
تقلّد أحمد عبيدات مواقع حسّاسة في الدولة الأردنية خلال مراحل إقليمية دقيقة، حين كانت المنطقة تموج بالتحولات والاضطرابات. من الأمن إلى الداخلية، ومن رئاسة الوزراء إلى الدفاع، لم يكن انتقاله بين المواقع انتقالًا في النفوذ، بل انتقالًا في الواجب. في تلك السنوات، عُرف عنه حرصه على هيبة الدولة دون تعسّف، وعلى الاستقرار دون تخلٍّ عن القانون.
كان يدرك أن الأمن الحقيقي لا يُبنى بالخوف، بل بالثقة، وأن الاستقرار لا يدوم إن لم يكن محمولًا على عدالةٍ واضحة ومسؤوليةٍ أخلاقية. لذلك، جاءت مقاربته للعمل العام متّزنة، تجمع بين الصرامة حين تقتضي الضرورة، والحكمة حين يكون الحوار هو الطريق الأجدى.

-ما بعد المنصب… الدولة كفكرة لا ككرسي

لم تكن تجربة عبيدات محصورة في العمل التنفيذي، بل امتدت إلى الشأن العام بمعناه الواسع. بعد خروجه من المواقع الرسمية، ظل حاضرًا في النقاش الوطني، منحازًا لفكرة الدولة القادرة والعادلة، ومؤمنًا بأن الإصلاح ليس شعارًا موسميًا، بل مسارًا طويل النفس.
شارك في العمل المدني والحقوقي والإنساني، واضعًا خبرته في خدمة المجتمع، ومؤكدًا أن رجل الدولة لا ينتهي دوره بخروجه من المنصب، بل يبدأ اختبار آخر: اختبار الوفاء للمبدأ بعيدًا عن السلطة.
نموذج مختلف في زمن ملتبس
في زمنٍ تراجعت فيه الثقة بين المواطن والمؤسسات في كثير من التجارب العربية، مثّل أحمد عبيدات نموذجًا مختلفًا؛ مسؤولًا يمكن الاختلاف معه دون التشكيك في وطنيته، وموقعًا رسميًا لم يبتلع صاحبه. كان حضوره هادئًا، لكن أثره واضحًا، وقراراته، وإن اختلف حولها البعض، اتسمت بوضوح الهدف وصدق النية.
لم يكن من هواة الخطابة العالية، ولا من صُنّاع الشعارات، بل من أولئك الذين يفضّلون العمل الصامت، ويؤمنون بأن الدولة تُدار بالعقل قبل الصوت.

-الوداع… واستعادة المعنى

رحيل عبيدات أعاد إلى الواجهة مفهومًا كاد أن يتآكل: الفرق بين المسؤول ورجل الدولة. فالمسؤول قد يمرّ، أما رجل الدولة فيبقى. يبقى بما ترك من معايير، وبما مثّل من سلوك، وبما رسّخ من فكرة أن السلطة مسؤولية ثقيلة لا مكسبًا شخصيًا.
في ذاكرة الأردنيين، سيبقى أحمد عبيدات واحدًا من أولئك الذين تعاملوا مع الدولة بوصفها أمانة لا غنيمة، ومسؤولية لا امتيازًا.
في وداعه، لا يحتاج الأردن إلى تعداد المناصب بقدر ما يحتاج إلى استعادة الدرس. درسٌ يقول إن بناء الدولة يبدأ من احترام القانون، ومن صدق المسؤول مع نفسه قبل غيره، ومن الإيمان بأن الوطن لا يُدار بالضجيج، بل بالحكمة والعمل الهادئ. رحل أحمد عبيدات، لكن أثره سيظل حاضرًا في كل نقاش جاد عن معنى الدولة، وفي كل سؤال يُطرح عن النموذج الذي نريده لمستقبلنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى