“رانيا بني هاني” حين يكون التمريض رسالة بعمق إنساني

اربد -آفاق نيوز
هنا، في عيادة العيون في العيادات الخارجية في مستشفى الأميرة بسمة في إربد، تمضي الممرضة رانيا محمد بني هاني يومها كما لو أنّه رسالة لا تنتهي من العطاء. بمريولها الأزرق الغامق، تروح وتجيء في ممرات العيادة، تمامًا مثل فراشةٍ تحوم حول أزهارٍ أنهكها العطش، فتمنحها شيئًا من الحياة.
ليست رانيا مجرّد ممرضة تؤدي واجبها الوظيفي، بل حكاية إنسانية تمشي على قدمين. في كل خطوةٍ لها، ثمّة مريض ينتظر كلمة طمأنينة، وفي كل ابتسامةٍ ترسمها، ثمّة خوفٌ يتراجع إلى الخلف. تعرف جيدًا أنّ العيون ليست فقط أعضاءً تُفحص، بل نوافذ لقلوبٍ متعبة، وأرواحٍ تبحث عن بصيص أمل.
بمريولها الأزرق الداكن وشالها الأبيض الذي ينسدل بهدوءٍ فوق كتفيها، تبدو رانيا كأنها جزءٌ من هذا المكان لا ينفصل عنه. تُخرج قلمها من جيب تنورتها الصوفية الرمادية، تكتب ملاحظاتها بسرعةٍ وهدوء، وكأنها تُمسك خيوط النظام وسط فوضى النهار. يناولها رجل الأمن بعض الأوراق، فتتسلّمها بابتسامة شكرٍ عابرة، قبل أن تقاطعها زميلتها صفاء بسؤالٍ عن حالةٍ مرضية، فتجيبها بثقة وتمضي. وعلى مقربةٍ منها، ينهمك الدكتور عيسى النمري بين مراجعين وطلبة طب العيون، في مشهدٍ يزدحم بالحركة والمعرفة. ومع ذلك، تظلّ رانيا تبتسم… ابتسامة تعرف طريقها جيدًا، حتى في أكثر اللحظات ضغطًا.
حتى وهي تتحدث عبر الهاتف، لا تنفصل رانيا عن واجبها لحظة واحدة؛ عينها على المريض، وقلبها مع كل حالة تمرّ أمامها. تمسك السماعة بيد، وبالأخرى تتابع تفاصيل العمل بدقةٍ لافتة، تلتفت بلطف نحو إحدى المريضات وتسألها: “هل اسمك سارة؟” سؤالٌ بسيط في ظاهره، لكنه يحمل في عمقه يقظة إنسانية لا تغيب، وحرصًا صادقًا على ألا يضيع اسم، أو تُهمَل حالة، في زحمة الانتظار.
تقترب رانيا من امرأةٍ مُنقّبة، تنحني قليلًا لتكون أقرب إلى صوتها، وتسألها بلطفٍ صادق عن صحتها، كأنها تعرفها منذ زمن. لا تكتفي بالإجابة، بل تُصغي، تُطمئن، وتمنحها من وقتها ما يكفي ليخفّ القلق. وما إن تخطو خطواتٍ قليلة، حتى تلتفت إلى مراجِعةٍ أخرى قائلةً: “إلهام… كيفك؟” سؤالٌ عابر في شكله، لكنه عميقٌ في أثره؛ فالأسماء هنا ليست أرقامًا على ورق، بل وجوهٌ تعرفها رانيا، وتحفظ ملامح تعبها، وتمنحها شيئًا من الدفء في زحمة الانتظار.
تقترب من كبار السنّ برفقٍ يشبه حنان البنات، وتُصغي للأطفال كما لو أنّها تحفظ قلقهم عن ظهر قلب، وتتعامل مع كل حالة وكأنها القضية الوحيدة في يومها الطويل. لا تتعجل، ولا تملّ، ولا تترك وراءها مريضًا إلا وقد زرعت فيه شيئًا من الطمأنينة.
في زمنٍ باتت فيه المهنة تُقاس بالراتب، ما تزال رانيا تقيس عملها بميزان الضمير. لا تنتظر شكرًا، ولا تلتفت إلى تعب، بل تمضي كما اعتادت، تؤدي رسالتها بصمتٍ يشبه الكبار، وبقلبٍ لا يعرف إلا أن يكون إلى جانب الإنسان.
هناك، في تلك الزوايا البيضاء من المستشفى، لا تُرى رانيا فقط كممرضة، بل كضوءٍ خافتٍ يسبق الشفاء، وكحضورٍ إنسانيّ يعيد للطبّ معناه الأجمل: أن تكون قريبًا من الناس… حين يكونون في أمسّ الحاجة إلى أحد.
هي رانيا محمد بني هاني… ليست اسمًا في سجل الدوام، بل نبض رحمةٍ يمشي بين المرضى، ويترك خلفه أثرًا لا يُمحى.



