QFEX 2026
منبر الكلمة

رئيس التحرير الزميل عدنان نصار يكتب : رئاسة البلديات.. بين الرهان على المنصب واستحقاق المكان

 

عدنان نصّار

مع كل حديث عن الترشح لرئاسة البلديات، تبدأ الأسئلة بالظهور، وتكثر الوعود، وتتعدد الرؤى حول مستقبل المدن والبلدات. فرئاسة البلدية ليست مجرد موقع إداري، ولا وجاهة اجتماعية، ولا فرصة لرفع الشعارات أمام الناس، بل هي مسؤولية يومية تمس حياة المواطنين، وتنعكس على تفاصيلهم الصغيرة قبل الكبيرة.

السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل من يفكر في الترشح هو: لماذا أريد أن أكون رئيساً للبلدية؟ وما الذي أستطيع تقديمه للمكان وأهله؟ وهل أمتلك رؤية واضحة قابلة للتنفيذ، أم أن الأمر لا يتجاوز الرغبة في الوصول إلى المنصب؟

هذه الأسئلة ليست للتشكيك في نوايا أحد، وإنما لوضع الترشح في إطاره الحقيقي. فالبلديات تحتاج إلى من يدرك أن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفاً، وأن ثقة الناس لا تُكتسب بكثرة الوعود، بل بما يتحقق على الأرض من إنجازات وخدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

ـ الرهان الحقيقي.. ماذا بعد الفوز؟

في مواسم الترشح، تبدو الوعود سهلة، وتصبح معالجة مشكلات الشوارع والأرصفة والإنارة والنظافة والأسواق والحدائق أموراً حاضرة في الخطابات واللقاءات. لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الانتخابات، حين يجد الرئيس نفسه أمام ملفات متراكمة، واحتياجات متزايدة، وإمكانات مالية قد لا تتناسب مع حجم المطالب.

هنا يظهر الفرق بين من يترشح ليصل إلى الموقع، ومن يترشح وهو يحمل تصوراً لما يريد أن يفعله بعد الوصول إليه.

فالناس لم تعد تبحث عن عبارات جميلة بقدر ما تبحث عن برنامج واقعي، يحدد الأولويات، ويرتب الاحتياجات، ويضع سقفاً زمنياً للتنفيذ، ويشرح للمواطنين ما يمكن إنجازه، وما يحتاج إلى وقت أو تمويل أو تعاون مع الجهات المعنية.

وليس مطلوباً من أي رئيس بلدية أن يحل جميع المشكلات دفعة واحدة، لكن المطلوب أن يعرف من أين يبدأ، وكيف يتحرك، وكيف يقيس ما أنجزه، وأن يمتلك الشجاعة للاعتراف بما تعثر من مشروعات، بدلاً من الاختباء خلف المبررات.

ـ التخطيط والتنفيذ.. المسافة بين الفكرة والإنجاز

كثير من المشروعات تبدأ بفكرة جيدة، لكن الفكرة وحدها لا تصنع مدينة أفضل. فالتخطيط السليم يحتاج إلى معرفة حقيقية باحتياجات المنطقة، وقراءة دقيقة للموارد المتاحة، وتحديد الأولويات وفقاً لأثرها المباشر على حياة المواطنين.

لا يجوز أن تتقدم بعض المشروعات ذات المظهر الجميل على احتياجات أساسية تتعلق بتصريف مياه الأمطار، أو صيانة الطرق، أو تحسين النظافة، أو معالجة الاختناقات المرورية، لمجرد أن المشروع الأول أكثر حضوراً في الصور والاحتفالات.

فالعمل البلدي الناجح لا يقاس بحجم ما يُعلن عنه، بل بما يُنفذ، وبمدى استمرارية أثره. كما أن إدارة البلدية لا ينبغي أن تقوم على ردود الفعل المؤقتة، بل على خطط واضحة تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وموازنات مدروسة، ومتابعة مستمرة، وشفافية في عرض النتائج.

ومن هنا، فإن المرشح الذي يريد إقناع الناس ببرنامجه، مطالب بأن يتحدث بلغة الأرقام والأولويات، وأن يشرح كيف سيوفر الموارد، وكيف سيعالج الاختلالات، وكيف سيشرك المجتمع المحلي في تحديد الاحتياجات ومراقبة التنفيذ.

فالبلدية ليست مسؤولية الرئيس وحده، وإنما مؤسسة يعمل فيها موظفون ومهندسون وفنيون وإداريون، وتتطلب إدارتها فريقاً مؤهلاً، وقرارات مدروسة، وتعاوناً مع المؤسسات الرسمية والأهلية والقطاع الخاص، ضمن الأطر القانونية.

ـ روح الأمكنة.. ما لا تقوله الخرائط

لكن هناك جانباً آخر في العمل البلدي، قد لا يحظى بما يستحقه من اهتمام، وهو الحفاظ على روح المكان.

فالمدينة ليست شوارع وأبنية وإشارات مرورية فقط، وليست أرقاماً في الموازنات أو مساحات على الخرائط. إنها ذاكرة الناس، وملامح أحيائهم القديمة، وأسواقهم الشعبية، وأشجارهم التي اعتادوا الظل تحتها، وساحاتهم التي شهدت لقاءات الأجيال، وتفاصيل صغيرة صنعت علاقة الإنسان بمكانه.

وقد تنجح البلدية في تعبيد شارع، أو إقامة حديقة، أو إنشاء مشروع خدمي، لكنها تخسر شيئاً من هوية المدينة إذا تجاهلت ذاكرتها، أو تعاملت مع موروثها العمراني والاجتماعي باعتباره عبئاً ينبغي التخلص منه.

التحديث مطلوب، بل هو ضرورة تفرضها حاجات الحياة وتطور المدن، لكن التحديث لا يعني محو الماضي، ولا تحويل جميع المدن إلى صورة واحدة متشابهة، تفقد معها خصوصيتها وملامحها التي تميزها عن غيرها.

لكل مدينة حكايتها، ولكل بلدة خصوصيتها، ولكل حي ذاكرته التي لا ينبغي أن تضيع تحت عناوين التطوير والتجميل.

وهنا تقع على عاتق رئيس البلدية مسؤولية ثقافية وإنسانية، إلى جانب مسؤولياته الإدارية والخدمية؛ مسؤولية الحفاظ على الملامح الأصيلة، وتشجيع المبادرات الثقافية، وصيانة المواقع ذات القيمة التاريخية، وحماية المساحات العامة، وتعزيز علاقة الأجيال الجديدة بمكانها.

فالمدينة التي تتقدم من دون أن تفقد ذاكرتها، هي مدينة تعرف كيف تتصالح مع حاضرها وتخطط لمستقبلها.

ـ المواطن شريك لا متلقٍ للخدمة

ومن أهم ما ينبغي أن يحمله المرشح لرئاسة البلدية، إيمانه بأن المواطن ليس مجرد ناخب يظهر في موسم الانتخابات، ثم يعود إلى الانتظار حتى الانتخابات التالية.

المواطن شريك في تحديد الأولويات، وصاحب مصلحة في نجاح العمل البلدي، ومن حقه أن يعرف كيف تُدار الموارد، وما الذي تحقق من الوعود، ولماذا تأخر مشروع، وكيف يمكن معالجة شكوى.

إن فتح قنوات التواصل مع المواطنين، والاستماع إلى أصحاب الاختصاص، واحترام الملاحظات والنقد، كلها عناصر تسهم في بناء الثقة بين البلدية ومجتمعها. ولا ينبغي أن يُنظر إلى النقد باعتباره خصومة شخصية، فالمؤسسة العامة التي لا تستمع إلى الناس قد تنشغل بإنجازاتها المعلنة، فيما تبقى مشكلاتهم الحقيقية بلا حلول.

كما أن العدالة في توزيع الخدمات بين الأحياء والمناطق ينبغي أن تكون أساساً للعمل، بعيداً عن الحسابات الشخصية أو الاجتماعية، لأن الخدمة البلدية حق يرتبط بحاجة المواطن، لا بموقعه أو قربه من المسؤول.

ـ الرهان على الإنسان قبل الحجر

إن الترشح لرئاسة البلديات فرصة لطرح أفكار جديدة، وتجديد أساليب الإدارة، وإعادة التفكير في علاقة المدن والبلدات بسكانها. لكنه، في الوقت نفسه، امتحان حقيقي للقدرة على تحمل المسؤولية، والتعامل مع الموارد المحدودة، واتخاذ القرارات الصعبة، والعمل بروح الفريق.

ولذلك، فإن الرهان لا ينبغي أن يكون على الأسماء وحدها، ولا على حجم الحضور الاجتماعي، ولا على الوعود التي تتسع كلما اقترب موعد الانتخابات. الرهان يجب أن يكون على وضوح الرؤية، وواقعية البرنامج، والقدرة على التخطيط والتنفيذ، واحترام المال العام، والمحافظة على هوية المكان وذاكرته.

فمن يريد رئاسة بلدية، عليه أن يسأل نفسه أولاً: ماذا سأضيف إلى مدينتي؟ وكيف سأجعل حياة أهلها أفضل؟ وما الذي سيبقى من عملي بعد انتهاء ولايتي؟

تلك هي الأسئلة التي تستحق أن تتصدر النقاش العام، وأن تكون حاضرة في لقاءات المرشحين مع المواطنين.

ففي النهاية، لا تحتاج المدن إلى من يعدها بمستقبل جميل فحسب، بل إلى من يعرف كيف يصنع هذا المستقبل، خطوة بعد أخرى، وبإمكانات واقعية، ورؤية واضحة، وإرادة للعمل.

فالمنصب ينتهي بانتهاء الولاية، أما أثر العمل فيبقى في ذاكرة المكان وأهله.

زر الذهاب إلى الأعلى