خلل التوزيع السكاني .. في وطني

عوض ضيف الله الملاحمة
إطلعت خلال الأيام الماضية على إحصائية لسكان المحافظات الأردنية ، وأظنها من إعداد دائرة الإحصاءات العامة . وقد سائني انها بينت ان هناك خللاً واضحاً في التوزيع السكاني في وطني الحبيب .
هناك خلل واضح وكبير فيما يتعلق بالتوزيع السكاني في الأردن ، وهو السبب في حدوث العديد من الإختلالات ، والإختناقات ، والإزدحامات الكبيرة التي يعيشها المواطن في كافة مجالات الحياة .
لا أحد ينكر ان الهجرات العديدة التي استقبلها الأردن من الدول العربية الشقيقة تسببت في الكثير من هذا الخلل في التوزيع السكاني . لكن أكبر الإختلالات تتمثل في الهجرة من الريف الى المدينة ، وهي هجرة دائمة ، ومستمرة بشكل يومي . وتمثل الخلل في التوزيع السكاني في هجرة السكان ليس من الأرياف الى المدن فقط ، بل يتمثل في هجرة السكان من مراكز المحافظات والمدن والبلدات والقرى ، ومن الريف ، والبادية الى العاصمة عمّان تحديداً . لدرجة ان حوالي ( ٤٦٪ ) من سكان الأردن يعيشون في عمان . حيث يسكن عمان حوالي ( ٤,٩٥٠,٠٠٠ ) ، ويقصد عمان أكثر من ( ١ ) مليون مواطن نهاراً لغايات الحصول على الخدمات المتنوعة ، لأنها تتمركز في عمان . وهذا يعني ان سكان عمان في النهار يصلون الى أكثر من ( ٦ ) ملايين يمثلون حوالي ( ٥٥٪ ) من سكان الأردن .
كان عدد سكان عمّان عام ١٩٦٦ ، حوالي ( ٣٣٠,٠٠٠ ) نسمة ، وكانت نسبة الخصوبة ( ٧,١٨ ٪ ) ، وانخفضت الى ( ١,٩٪ ) عام ٢٠٢٥ . وهذا يعني انه من المفترض ان يكون عدد سكان عمان الآن حوالي ( ٢ ) مليون نسمة . اي ان حوالي ( ٣ ) ملايين من سكان العاصمة يفترض انهم يعيشون في المحافظات ال ( ١١ ) الأخرى .
كان عدد سكان محافظة الكرك ، مثلاً ، عام ١٩٦٦ حوالي ( ٥٨,٠٠٠ ) نسمة . بينما اصبح عدد سكانها عام ٢٠٢٥ حوالي ( ٣٧٥,٠٠٠ ) . و( بالقياس ) يفترض ان يكون عدد سكان الكرك حالياً حوالي ( ٥٠٠,٠٠٠ ) نسمة . وعليه فإن الإنخفاض الذي مقداره حوالي ( ١٢٥,٠٠٠ ) في عدد سكان الكرك ، هم يعيشون في عمّان .
تعذر ان تشمل المقارنات محافظات أخرى من محافظات وطننا الحبيب والسبب يكمن في لجوء الأشقاء السوريين تحديداً ، الذي أحدث خللاً ، بل طفرة في سكان محافظات الشمال تحديداً .
وعندما نُقدِّر ان حوالي ( ١٢٥,٠٠٠ ) مواطن هجروا الكرك واختاروا الإقامة الدائمة في عمّان ، ونعكس ذلك تقديرياً على محافظة إربد مثلاً ، التي يشكل ثقلها السكاني حوالي ( ٦ ) أضعاف محافظة الكرك ، نستنتج ان حوالي ( ٧٥٠,٠٠٠ ) مواطن من عروس الشمال الحبيبة قد هجروا العيش في إمتداد سهل مرج إبن عامر ، ( وقرروا ) الإقامة الدائمة في عمّان .
وعلى ذلك يمكننا ان نقيس ، مع مراعاة وجود فروق بين المحافظات فيما يتعلق بالهجرة الى عمّان . فمثلاً : قلة قليلة من أبناء الزرقاء ، وجرش ، وعجلون ، ومادبا يقيمون في عمان ، بسبب قُرب المسافة ، مما يمكنهم من البقاء والإقامة في محافظاتهم ، لسهولة الذهاب الى عمان والعودة الى أماكن سُكناهم في محافظاتهم .
وإستناداً الى ما جاء في الإحصائية ، حيث تقول ان ( ٩ ) ملايين أردني يعيشون في العاصمة والزرقاء وإربد ، وان ( ٢ ) مليون نسمة يقطنون في باقي المحافظات ال ( ٩ ) ، فهذا دليل خلل كبير وخطير .
أما ان يعيش في العاصمة لوحدها حوالي ( ٥ ) ملايين يمثلون حوالي نصف سكان المملكة فهذا خلل كبير وخطير ، ينتج عنه اختلالات يصعب حصرها .
تَركُّز الكثافة السكانية في عمان دليل على خلل في أداء الحكومات الأردنية منذ نشأت الدولة الأردنية الحديثة .
وهنا اود ان أذكر للقراء الكرام نسب تمركز السكان في بعض عواصم العالم ، لغاية المقارنة ومعرفة حجم خطورة هذا الخلل ، فمثلاً :—
— سكان محافظة القاهرة يمثلون حوالي ( ١٠,٦ ٪ ) من سكان مصر .
— سكان العاصمة دمشق يمثلون حوالي ( ٦– ٨٪ ) من سكان سوريا .
— سكان العاصمة بيروت يمثلون حوالي ( ٢٥٪ ) من سكان لبنان .
— سكان العاصمة بغداد يمثلون حوالي ( ٢١,٢ ٪ ) من سكان العراق .
— سكان العاصمة الرياض يشكلون ( ٢١–٢٢٪ ) من سكان السعودية .
— سكان العاصمة لندن يمثلون حوالي ( ١٣,١– ١٤٪ ) من سكان بريطانيا .
— سكان العاصمة باريس يشكلون حوالي ( ١٨,٨ ٪ ) من سكان فرنسا .
لاحضوا معي ، انه رغم تفاوت نسب سكان العواصم سواء العربية او الغربية فانها تتراوح بين ( ٦٪ ) كحدٍ ادنى الى ( ٢٥ ٪ ) كحدٍ أعلى ، وبهذا تكون نسبة سكان عمان تتراوح بين ( ٢ — ٨ ) أضعاف تقريباً . كما يلاحظ ان المتوسط العام لسكان العواصم تكون حوالي ( ١٥ ٪ ) من سكان الدول .
إرتفاع نسبة سكان عمان ( الخيالي ) ، الذي لا يوجد له نظير عالمي ، مقارنة مع عدد سكان المملكة ، أدى الى إختلالات في توفير الخدمات اللازمة للمواطنين . فالشوارع مكتظة جداً ، وحركة السير مختنقة ، ومواقف السيارات غير متوفرة . كما يشكل هذا الازدحام إختناقاً في المراكز الصحية والمستشفيات ، وكافة الدوائر والوزارات الحكومية ، وغيرها .
كل ذلك سببه إنتهاج الحكومات سياسة ( عمّان ، ومن بعدها الطوفان ) . فلو توفرت الخدمات الضرورية في المحافظات ، لما إضطر السكان للهجرة الى عمان . ولو تمت إقامة مشاريع كبرى في المحافظات لتوافرت فرص العمل ، ولما إضطر الناس للهجرة الى عمان بحثاً عن فرصة عمل .
سبب إزدحام عمان ، وتكدس الناس فيها ، يعود الى سببين رئيسيين هما : ١ )) إفتقار المحافظات للخدمات . ٢ )) عدم توافر فرص عمل . وهذا مسؤولة عنه الحكومات الأردنية منذ نشأت الأردن الحديث الى الآن ، وللأسف لا أمل يُرتجى حتى الآن .
الحكومات يفترض ان تخطط ، وتضع إستراتيجيات يكون نتاجها خلق بيئة مشجعة لتثبيت السكان في المدن والقرى والبوادي في مناطق سكناهم للحد من الهجرة من الأرياف والبوادي الى عمان .
ما يؤلمني كما غيري من الناس ان القرى والبلدات الأردنية أصبحت مهجورة ، خالية من الناس ، وبيوت العزّ خاوية على عروشها ، بسبب إضطرار الناس للهجرة الى عمّان تحديداً ، سعياً وراء خدمات أفضل ، وفُرص عمل تسد الرمق .
وأختم بما يلي :—
١ )) أبياتٍ للشاعر الفلسطيني / حاتم قاسم ، حيث يقول :—
لا تسأل الدار عن من كان يسكنها / البابُ يُخبِر ان القوم قد رحلوا
ما أبلغ الصمت لما جئت أسأله / صمت يعاتب من خانوه وارتحلوا
يا طارق الباب رِفقاً حين تطرقهُ / فانه لم يعد في الدار أصحابُ
تفرقوا في دروب الأرض وانتثروا / كأنه لم يكن إنس وأحبابُ
إرحم يديك فما في الدارِ من أحدٍ / لا ترجو رداً فأهل الود قد راحوا
ولترحم الدار .. لا توقظ مواجعها / للدورِ روحٌ .. كما للناسِ أرواحُ .
٢ )) بيت من الشعر للإمام الشافعيّ ، حيث يقول :—
لا تسكن الأرياف فيضيع عِلمك / من أراد العُلا هجرَ القُرى .



