منبر الكلمة

خرجنا من العيد مثقلين بالأسئلة… حين يصبح الفرح مؤجلاً

 

عدنان نصّار

لم يكن العيد هذا العام كما اعتدناه.
مرّ خفيفًا على القلوب، ثقيلًا على الجيوب، باهتًا في تفاصيله، وكأن الفرح نفسه قرر أن يؤجل حضوره إلى إشعارٍ آخر.
خرجنا من العيد… لا نحمل ذكريات الضحك بقدر ما نحمل أسئلةً مؤجلة، تتكاثر في صدور الناس كما تتكاثر الفواتير على الطاولات.
كيف أصبح العيد عبئًا؟
ومتى تحوّل من مساحة للفرح إلى اختبارٍ قاسٍ لقدرة الناس على الاحتمال؟
في الشوارع، بدت الحركة أقلّ من كل عام.
في الأسواق، لم تكن المشكلة في قلة الرغبة، بل في ضيق القدرة.
الناس تريد أن تفرح… لكنها تحسب الفرح بالكيلو، وتوزّعه بحذر، وتؤجل ما تستطيع تأجيله.
الأب الذي كان يشتري لأطفاله دون حساب، أصبح يقف طويلًا أمام الأسعار، يقارن، يتردد، ثم يخرج بنصف ما كان ينوي شراءه… وربما أقل.
الأم التي كانت تملأ البيت بهجة، أصبحت تُعيد ترتيب الأولويات، وتُخفي قلقها بابتسامةٍ متعبة.
والأطفال… وحدهم لا يفهمون لماذا تغيّر كل شيء.
ليست المشكلة في العيد، بل فيما يسبقه.
أيامٌ طويلة من الضغط المعيشي، تتراكم فيها الأعباء:
غلاءٌ يزداد، ودخلٌ ثابت لا يتحرك، واحتياجاتٌ لا تعرف الانتظار.
المعادلة باتت واضحة وقاسية:
الأسعار تصعد… والدخل يراوح مكانه.
والنتيجة؟
مسافةٌ تتسع بين ما يحتاجه الناس وما يستطيعون تحمّله.
هذه المسافة ليست رقمًا في تقرير اقتصادي…
إنها قلق يومي، وقرارات مؤلمة، وتنازلات صامتة.
العيد، في جوهره، ليس مناسبة استهلاكية.
هو لحظة إنسانية، مساحة للراحة، فرصة لاستعادة التوازن.
لكن ماذا يحدث حين يدخل الناس إلى العيد وهم مرهقون أصلًا؟
يحدث ما رأيناه:
فرحٌ منقوص… وبهجةٌ مشروطة… وابتساماتٌ تُخفي أكثر مما تُظهر.
لم يعد السؤال: “كيف نحتفل؟”
بل أصبح: “كيف نمرّ من العيد بأقل الخسائر؟”
الأخطر من كل ذلك، ليس الغلاء بحد ذاته،
بل الاعتياد عليه.
حين يعتاد الناس على تأجيل الفرح،
وعلى تقليص أحلامهم،
وعلى إقناع أنفسهم بأن “القليل يكفي”…
فإننا لا نكون أمام أزمة عابرة، بل أمام تحوّل عميق في شكل الحياة.
الفرح المؤجل ليس مجرد حالة نفسية،
بل مؤشرٌ اجتماعي، يقول إن هناك خللًا يتسع بصمت.
ما خرجنا به من هذا العيد، ليس فقط إرهاقًا ماليًا،
بل شعورًا عامًا بأن الحياة أصبحت أصعب مما يجب.
ومع ذلك…
لا يزال الناس يحاولون.
يبتسمون رغم كل شيء، ويصنعون من القليل معنى، ويتمسكون بما تبقى من تفاصيل بسيطة تمنحهم القدرة على الاستمرار.
لكن إلى متى؟
الناس لا تطلب المستحيل.
تريد فقط حياةً متوازنة،
دخلًا يكفي،
وأسعارًا لا تفاجئها كل صباح،
وأعيادًا تعود كما كانت… مساحةً صادقة للفرح، لا اختبارًا للصبر.
خرجنا من العيد مثقلين بالأسئلة…
لكن الأهم:
هل هناك من يسمع هذه الأسئلة؟
أم أننا سنمضي إلى أعيادٍ أخرى…
يكون فيها الفرح أكثر تأجيلاً؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى