الحرب مع إيران: هل يملك ترامب نهاية واضحة أم أن هرمز يفرض كلمته؟

محرر الشؤون الدولية
لم تعد المواجهة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد تبادل ضربات محسوبة؛ بل دخلت مرحلة اختبار الإرادات: من يملك القدرة على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية أكثر من قدرته على إطلاق النار؟ فمع اتساع الضربات، باتت المعركة تُقاس الآن بضغط الشارع، وأسعار الطاقة، ومصير مضيق هرمز، لا بعدد الصواريخ فقط.
في الداخل الأمريكي، المشكلة الأساسية ليست عسكرية بقدر ما هي شعبية. المزاج العام لا يبدو متحمسًا لحرب طويلة، خصوصًا إذا انزلقت إلى تدخل بري أو رفعت أسعار الوقود أكثر. استطلاعات Reuters/Ipsos أظهرت أن أغلبية الأمريكيين تتوقع انجرارًا أوسع، لكنها لا تؤيده، فيما قال 55% إن ارتفاع أسعار الوقود أضرّ بوضعهم المالي بالفعل. وهذا هو الخطر الحقيقي على ترامب: أن تتحول الحرب من استعراض قوة إلى عبء انتخابي ومعيشي.
ولهذا تبدو تصريحات ترامب متناقضة: مرة يرفع السقف، ومرة يتحدث عن الاقتراب من تحقيق الأهداف، ثم يلمح إلى “خفض” الانخراط الأمريكي، مع تحميل الآخرين مسؤولية تأمين هرمز. هذا التذبذب ليس تفصيلًا إعلاميًا؛ بل يعكس غياب نهاية مستقرة ومقنعة للحرب. فالإدارة الأمريكية بدّلت مبرراتها وأهدافها أكثر من مرة خلال أسابيع قليلة، من ردع إيران، إلى تدمير قدراتها، إلى الحديث عن التهدئة بعد “الإنجاز”.
أما إيران، فهي تدرك أنها لا تنافس أمريكا وإسرائيل في التفوق الجوي، لذلك تلعب على ساحة أكثر حساسية: الاقتصاد العالمي. ورقة طهران الأقوى ليست فقط الصواريخ، بل قدرتها على جعل العالم يدفع ثمن الحرب عبر هرمز. فالمضيق الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي تحوّل إلى مركز ضغط استراتيجي، وأي تعطيل فيه يرفع الأسعار ويهز الأسواق ويضغط على الحكومات الغربية قبل أن يضغط على الجبهات العسكرية.
لهذا لم يعد السؤال: من أصاب أكثر؟ بل: من يستطيع احتمال النتائج أكثر؟ ما جرى في العراق، حيث تراجعت الصادرات النفطية بشكل حاد بسبب اضطراب الملاحة، وما شهدته أوروبا من قفزة في أسعار الغاز وتخفيف لأهداف التخزين، يثبت أن الحرب خرجت من الإطار العسكري إلى صدمة طاقة عالمية. وكلما طال الوقت، زادت كلفة “الانتصار” على الجميع، بما في ذلك حلفاء واشنطن أنفسهم.
في إسرائيل، يوجد دعم واضح لضرب إيران ما دام الشارع ينظر إلى الحرب باعتبارها معركة وقائية، لكن هذا الدعم لا يعني راحة داخلية. استمرار الضربات والاضطراب اليومي واستنزاف الجبهة الداخلية يجعل التأييد العسكري لا يساوي بالضرورة تفويضًا سياسيًا مفتوحًا. لذلك، حتى داخل إسرائيل، يمكن أن يستمر تأييد الحرب بالتوازي مع تزايد القلق من طولها وتكلفتها. وما يعزز هذا الانطباع أن واشنطن نفسها لا تقدم رواية حاسمة حول متى تنتهي وكيف.
دوليًا، لا يبدو أن هناك شهية واسعة للانخراط الكامل. بريطانيا سمحت باستخدام قواعدها، لكن أوروبا عمومًا تتحرك بقلق أكثر من تحركها بحسم، واليابان تبحث عن ممرات تفاوضية لتأمين عبور سفنها، بينما تستفيد روسيا سياسيًا من إرباك الغرب وتعلن الوقوف إلى جانب طهران. المعنى هنا واضح: معظم الدول تريد فتح هرمز وخفض الأسعار، لكنها لا تريد دفع فاتورة الحرب نفسها.
النتيجة المتوقعة، وفق المعطيات الحالية، ليست نصرًا ساحقًا لأي طرف. الأرجح هو استمرار ضغط عسكري محدود نسبيًا، يترافق مع مساومات غير معلنة ومخارج تحفظ ماء الوجه. ترامب يريد إعلان نجاح من دون مستنقع، وإسرائيل تريد إضعاف إيران من دون حرب استنزاف مفتوحة، وإيران تريد إثبات أنها لا تُكسر بسهولة وأنها قادرة على إيصال النار إلى الاقتصاد العالمي. لذلك، السيناريو الأقرب ليس الحسم الكامل، بل تسوية متدرجة بعد جولة إضافية من شدّ الحبال.
الخلاصة ان هذه الحرب لن يحسمها الخطاب ولا الضربة الأكبر، بل سؤال واحد: من يتعب أولًا؟ حتى الآن، يبدو أن هرمز يضغط على الجميع، وأن ترامب لم يقدّم بعد رواية نهائية تقنع الداخل الأمريكي بأن الحرب تستحق كلفتها. وإذا استمرت الأسعار في الصعود، فقد تتحول معركة إيران من ملف قوة خارجية إلى أزمة داخلية أمريكية بامتياز.



