QFEX 2026
منبر الكلمة

حين يعزف الزمن الجميل

عدنان نصّار
ثمة جلسات لا تنتهي بانتهاء وقتها، بل تبقى معلّقة في الذاكرة، تعود إلينا كلما مرّ خاطر، أو سمعنا لحناً قديماً، أو صادفنا وجهاً من وجوه الزمن الجميل.
في منزل الصديق جمال البركات في إربد، كانت لنا جلسة من ذلك النوع النادر؛ جلسة لم تكن مجرد لقاء عابر بين أصدقاء، وإنما رحلة قصيرة إلى زمن كانت فيه الثقافة جزءاً من الحياة، والطرب لغةً للمشاعر، والحديث الجميل فناً لا يقل أهمية عن الغناء.
وكانت الجلسة عامرة برفقة يعرفها القلب قبل أن تعرفها الذاكرة؛ سالم عكور، وأبو شيزار، وحمزة بني ياسين، وأبو عمر، وأبو عرقوب، وأحمد جمال، وآخرون، لكل واحد منهم حضوره وحكايته ونبرته الخاصة في استعادة ذلك الزمن.
وبين هؤلاء، كان لأبي عرقوب حكاية أخرى مع «التسهيلات»؛ حكاية تصلح وحدها لأن تُروى في جلسة أخرى، فبعض الحكايات لا يجوز اختصارها، لأنها حين تُروى تستعيد معها ضحكة أصحابها وملامح أيامها.
ثم جاء الطرب، فأخذت الجلسة شكلاً آخر.
تجلّى رمزي حداد بغنائه الجبلي، ذلك الصوت الذي لا يمرّ على الأذن مروراً عابراً، بل يلامس ضفاف القلب. وراح يشدو: «ويلي لو يدرون يا با»، فكان صوته يحمل شيئاً من الجبل، وشيئاً من الحنين، وكثيراً من تلك المشاعر التي لا تحتاج إلى شرح.
أما جميل دخان، عارف العود البارع، فقد كان له مع الأغنية حوار مختلف. لم يكن يعزفها فقط؛ كانت العاطفة تسوق كلماتها، وتمنح كل جملة موسيقية إحساسها الخاص. وحين مضى إلى «أنساك» لكوكب الشرق أم كلثوم، بدا وكأن العود يروي حكاية حب قديمة يعرف أصحابها جيداً معنى الفراق والانتظار.
وحين وصل إلى:
«لو كنت قدرت على بعادك
كنت أقدر أصبر ونستنى»
لم تعد الكلمات مجرد كلمات أغنية؛ صارت شيئاً من أحاديثنا القديمة، من تلك العاطفة التي تختبئ في الذاكرة وتعود فجأة، دون موعد.
أما أنا، فقد وجدتني أذهب بعيداً، إلى أغنية أخرى تسكن في مكان ما من الذاكرة:
«صعبان عليّ جفاك».
وهكذا، من «ويلي لو يدرون يا با» إلى «أنساك»، مروراً بـ «صعبان عليّ جفاك»، لم نكن نغني وحسب؛ كنا نستعيد أعماراً كاملة، وأياماً ووجوهاً وأمكنة، ونستدعي زمناً كانت فيه الأغنية جزءاً من وجدان الناس، لا مجرد صوت عابر في خلفية الحياة.
وكانت الأحاديث، كما الأغنيات، تذهب بنا في كل اتجاه؛ من الثقافة إلى الفن، ومن الذكريات إلى الحكايات، ومن أسماء الذين غابوا إلى أولئك الذين ما زالوا يحملون في حضورهم شيئاً من رائحة الأمس.
تحدثنا عن الثقافة حين كانت مشروعاً، وعن الفن حين كان رسالة، وعن المطرب الذي كان يحترم جمهوره، وعن الكاتب الذي كان يزن كلمته قبل أن يضعها على الورق.
وتساءلت بيني وبين نفسي:
هل كان ذلك الزمن أجمل فعلاً؟ أم أننا نحن الذين نجعله جميلاً لأننا كنا نعيش تفاصيله بقلوب أكثر هدوءاً؟
ربما لم يكن الزمن كاملاً، لكنه كان أكثر قدرة على منح الأشياء معناها. كانت الأغنية تستحق أن تُسمع، والكتاب يستحق أن يُقرأ، والصديق يستحق أن يُزار، والجلسة تستحق أن تمتد حتى آخر الليل.
ولعل أجمل ما في تلك الأمسية أنها لم تكن محاولة للهروب من الحاضر، بقدر ما كانت استراحة للروح في محطة من محطات الذاكرة.
في زمن تتسارع فيه الأيام، وتكثر فيه الأصوات وتقل فيه الأغاني التي تبقى، يصبح اللقاء مع رفقة الزمن الجميل نوعاً من استعادة التوازن.
غادرنا منزل جمال البركات، لكن الجلسة لم تغادرنا.
بقي منها صوت رمزي وهو يلامس ضفاف القلب، وحنين العود بين أصابع جميل، و«أنساك» التي أعادت أم كلثوم إلى مجلسنا، و«صعبان عليّ جفاك» التي أخذتني، دون استئذان، إلى مكان آخر من الذاكرة.
وبقيت أسماء الأصدقاء حاضرة في المشهد؛ سالم عكور، أبو شيزار، حمزة بني ياسين، أبو عمر، أبو عرقوب، أحمد جمال، وجمال البركات، ومعهم آخرون ممن لا تتسع لهم السطور، لكنهم يتسعون دائماً في القلب.
بعض الناس لا يجلسون معك فقط…
بل يجلسون مع ذاكرتك.
وبعض الأمسيات لا تُقاس بساعاتها، وإنما بما تتركه في القلب من ضوء.
تلك كانت أمسية من الزمن الجميل…
زمنٍ كلما مرّ على الخاطر، ابتسمنا له، واشتقنا إليه.

زر الذهاب إلى الأعلى