QFEX 2026
منبر الكلمة

حين يصبح الأبيض ستاراً للسياحة

عدنان نصّار
أيُّ سياحة هذه التي نريد أن نبيعها للعالم؟
وأيُّ صورة نريد أن تظل عالقة في ذهن من يأتي إلى الأردن؟
بلدٌ اسمه الأردن، بكل ما يحمله الاسم من تاريخ وحضارة وكرامة وذاكرة، بكل ما فيه من البتراء وجرش وأم قيس ووادي رم، بكل قراه وبيوته القديمة، بأغانيه الشعبية، وبمدنه التي حفظت الحكايات جيلاً بعد جيل… ثم نقرر أن نختصر كل ذلك في حفلة، وفي لون أبيض، وفي مشهد لا نعرف بعده: هل نحن أمام فعالية سياحية أم أمام تنازل جديد عن صورة المكان؟
لا أحد يعترض على عمرو دياب كمطرب، ولا على أن يغني، ولا على أن يفرح الناس بموسيقاه.
المسألة أكبر من مطرب وأغنية.
المسألة في عقلية تسويق الأردن.
وحين يصل المشهد إلى أداء الغناء الوطني، المرتبط برمز الدولة، في أجواء حفلة غنائية صاخبة، يصبح الأمر أكثر من مجرد تفصيل عابر. يبدو المشهد مخجلاً حد الوجع؛ ليس اعتراضاً على الأغان الوطنية ودلالتها، وإنما لأن الرموز الوطنية لها مكانتها وهيبتها، ولا ينبغي أن تتحول إلى جزء عابر من مشهد احتفالي يفقدها شيئاً من معناها.
ثم نسأل: أين الأردن الذي نريد أن نقدمه للعالم؟
أين شمال الأردن، ذلك الجزء الزاخر بالأحداث التاريخية العظيمة، وبالتراث والجغرافيا والطبيعة؟ أين إربد وذاكرتها، وأم قيس التي تطل على فضاء استثنائي، وجرش بتاريخها، وعجلون بجبالها وغاباتها وقلاعها، والقرى التي تختزن في حجارتها وحكايات أهلها ذاكرة أجيال؟
شمال الأردن ليس هامشاً على الخريطة السياحية، بل حكاية كاملة تستحق أن تُروى.
فيه آثار وحضارات مرت من هنا، وفيه الأرض الزراعية والسهول والجبال والينابيع، وفيه الموروث الشعبي، والبيوت القديمة، والقصص التي لم تجد بعد من يضعها في قلب المشروع السياحي الوطني.
لدينا كل هذا، ثم نبحث عن السياحة في حفلة عابرة!
لدينا حضارة عمرها آلاف السنين، لكننا نبحث عن صورة سريعة على شاشة، وعن حفلة تنتهي بعد ساعات، وعن ضجيج نعتبره إنجازاً سياحياً.
لدينا البتراء، وجرش، ووادي رم، وأم قيس، وعجلون، وشمال الأردن بكل ما فيه من تاريخ وتراث وجغرافيا، والمطبخ الأردني، والإنسان الأردني، والحكاية الأردنية… ثم نأتي بكل هذا الإرث ونضعه جانباً، ونقول للناس:
ارتدوا الأبيض وتعالوا نغني.
يا لها من مفارقة موجعة.
ليس العيب في اللون الأبيض.
العيب أن يصبح الأبيض هو كل ما نراه.
والأشد إيلاماً أن نتعامل مع أي نقد لهذا المشهد وكأنه اعتراض على الفن، بينما السؤال الحقيقي يتعلق بصورة البلد، وبالذوق العام، وبالرسالة التي نريد أن تصل إلى السائح.
نحن لا نحتاج إلى سياحة تجعلنا نخجل من أنفسنا، ولا إلى فعاليات تجعل الأردني يشعر أن هويته أصبحت عبئاً ينبغي إخفاؤه كي نبدو “عصريين”.
نحتاج إلى سياحة تقول للزائر:
هذا الأردن… وهذه حكايته.
تعالوا لتروا حجارة البتراء، لا لتنسوا البتراء وسط الضجيج.
تعالوا لتسمعوا صوت المكان، لا أن يضيع المكان في مكبرات الصوت.
تعالوا إلى شمال الأردن لتروا التاريخ وهو يمشي بين الحقول والجبال والقرى القديمة، لا أن يبقى خارج الصورة.
تعالوا لتروا الإنسان الأردني، لا أن يتحول الأردن إلى خلفية لحفلة.
السياحة الحقيقية ليست أن يأتي الناس فقط.
السياحة الحقيقية أن يعودوا وهم يحملون شيئاً من روح البلد معهم.
أما أن نبيع لهم ساعات من الصخب، ثم نسمي ذلك إنجازاً سياحياً، فهنا يصبح السؤال مؤلماً:
هل نحن نسوّق الأردن للسياح… أم نسوّق السياح لأنفسنا على أنهم سياحة؟
والفرق بين الاثنين كبير جداً.
بل مخيف.

زر الذهاب إلى الأعلى