منبر الكلمة

حين يتحوّل الصبر إلى سياسة غير مُعلنة

 

عدنان نصّار

 

ليس الصبر فضيلة حين يُفرَض، ولا قيمة أخلاقية له حين يصبح بديلًا دائمًا عن القرار. فالصبر، في حياة الناس، حالة إنسانية اضطرارية؛ يتحمّلها الفقير لأنه لا يملك خيارًا، ويصبر الموظف لأن الراتب لا يكفي، وتصبر العائلة لأن الأمل أُجِّل مرة أخرى. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحوّل هذا الصبر، من فعلٍ فردي نبيل، إلى سياسة عامة غير مُعلنة.

 

في السنوات الأخيرة، صار الصبر هو اللغة الأكثر تداولًا بين المواطن والدولة: صبرٌ على الغلاء، وصبرٌ على البطالة، وصبرٌ على تراجع الخدمات، وصبرٌ على وعود تتبدّل صيغتها ولا تتبدّل نتائجها. كأن الصبر أصبح الخطة البديلة عن الحل، والغطاء الناعم للعجز، والجواب الجاهز لكل سؤال موجع يُطرَح في الشارع ولا يجد من يُصغي إليه.

المواطن لا يطلب المعجزات، ولا ينتظر دولة مثالية. ما يريده بسيط ومشروع: قرارٌ واضح، وعدالة في الفرص، وكرامة في العيش، وإحساسٌ بأن تعبه اليومي مرئيّ ومُعترَف به. لكنه، حين يُواجَه بالصمت، أو بالتبرير المتكرّر، أو بدعوات مفتوحة للصبر دون سقف زمني، يبدأ الإحباط بالتسرّب إلى تفاصيل حياته الصغيرة، ويصبح القلق رفيقًا دائمًا ليومه.

 

الأخطر أن سياسة الصبر تُنتج فجوةً صامتة بين الناس وصنّاع القرار؛ فجوة لا تُقاس بالأرقام ولا تظهر في التقارير، بل تسكن الوجوه المتعبة، ونبرة الكلام، وتراجع الثقة. شعورٌ عام بالتهميش، وبأن المواطن آخر من يُسأل، وأول من يدفع الثمن. هنا لا يعود الصبر قوة، بل يتحوّل إلى إنهاكٍ بطيء، وإلى قهر مؤجَّل.

 

وحين يُطلَب من الناس الصبر طويلًا، دون إشراكهم في الفهم أو القرار، تتآكل فكرة الانتماء نفسها. فالانتماء ليس شعارًا يُرفَع، بل علاقة متبادلة: حقوقٌ مقابل واجبات، وصدقٌ مقابل تحمّل. أمّا حين يختلّ هذا التوازن، يصبح الصبر عبئًا نفسيًا واجتماعيًا، وتتحوّل الوطنية إلى اختبار قدرة على الاحتمال، لا شراكة في المصير.

 

الدول لا تُدار بطول نَفَس مواطنيها وحده، بل بشجاعتها في الاعتراف بالأخطاء، وبقدرتها على اتخاذ قرارات عادلة، حتى لو كانت صعبة أو غير شعبية. فالصبر قد يمنح الوقت، لكنه لا يصنع الحلول، ولا يعالج جذور الأزمات. والاعتماد عليه كسياسة دائمة يعني استنزاف الرصيد الإنساني للمجتمع، وهو أخطر ما يمكن أن تخسره أي دولة.

المطلوب اليوم ليس أن نصبر أكثر، بل أن نُشارَك أكثر؛ أن نُعامَل كمواطنين لا كأرقام، وأن نكون شركاء في القرار، لا مجرّد متلقّين للنتائج. فالصبر، حين يتحوّل إلى سياسة غير مُعلنة، لا يحمي الاستقرار، بل يؤجّل الأسئلة… والأسئلة، حين تتراكم، لا تبقى صامتة إلى الأبد..فهي تبحث عن أجابات تحمل الحلول بالتدرج بعيدا عن أي “تشلل” أو محسوبيات تعطي “زيد”وتحرم “عبيد” ضمن فلسفة سياسية باتت غير مقنعة للناس ..الناس الذين يمتلكون فائض من الذكاء ، والكثير من الحرمان بسبب غياب العدالة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى