منبر الكلمة

حين لا يكون الصبر خيارًا بل حياة..

 

عدنان نصّار

في هذا العالم المزدحم بالتعب، يولد الإنسان حاملاً في قلبه قَدَر الصبر قبل أن يتعلّم النطق.
منذ اللحظة الأولى، يجد نفسه في معركة غير متكافئة مع الحياة، يحاول أن يفهمها، ثم يقاومها، ثم يتصالح معها على مضض.
لكن ما يثير الدهشة أن الإنسان، رغم كل ما يفقده، يواصل الحياة كما لو أنّ في داخله نبعًا سريًّا من القوة لا يجفّ.

هو لا يصبر لأنّ الصبر جميل كما تقول الكتب، بل لأنّه لا يملك خيارًا آخر.
ينهض من فراشه كل صباح وهو يحمل على كتفيه أثقال الأمس وأعباء الغد، ثم يمضي بخطى بطيئة لكنها ثابتة، كمن يعرف أن السقوط ممنوع.
في الطرقات، في الوجوه العابرة، في النظرات المرهقة، تكمن حكايات صامتة لرجالٍ ونساءٍ اختاروا البقاء رغم كل شيء.
عاملٌ يبتلع تعبَه كي يطعِم أبناءه، وأمّ تُخفي دمعتها حتى لا تَقلق قلبَ طفلها، وشابٌّ يبحث عن بصيص معنى في وطنٍ ضاق بحلمه.
كلّهم أبطالٌ مجهولون في مسرح الحياة اليومي، يصنعون المعجزة دون أن يدروا.

الصبر هنا ليس ترفًا ولا شعارًا أخلاقيًا، بل هو فعل مقاومةٍ صامتة.
أن تصبر، يعني أن تواصل التنفس رغم ضيق الصدر، أن تُكمل الطريق رغم العثرات، أن تجد في الهزيمة درسًا، وفي الخسارة معنى.
إنه نوعٌ من البطولة لا تُدرّس في الجامعات ولا تُعرض على الشاشات.
أولئك الذين يصبرون، لا يفعلون ذلك لأنهم أقوياء، بل لأنّهم لا يريدون أن يخذلوا من يحبّون، ولا أن يستسلموا للظلام.

في المجتمعات المتعبة، الصبر يصبح شكلاً من أشكال الكرامة.
حين تضيق الحياة، يصبح الصبر لغة العيش، ومصدر الأمل الوحيد.
في العيون المرهقة للأمهات، وفي تجاعيد الكادحين، وفي صوت البائع الذي يكرّر نداءه كل صباح، يمكن أن ترى ملامح أمةٍ ما زالت تؤمن بأن الغد قد يكون أفضل، حتى لو لم يأتِ بعد.

الذين يواصلون رغم الخذلان، الذين يبتسمون وهم يخفون وجعهم، الذين يسامحون الحياة لأنها لم تمنحهم أكثر…
هؤلاء هم أبطال الإنسانية الحقيقيون.
لا يخلّدهم التاريخ، لكنّ الحياة تظلّ مدينةً لهم.
لأنهم ببساطة، اختاروا ألّا يستسلموا.
اختاروا أن ينهضوا كل مرة، وأن يرمموا ما انكسر داخلهم بصمتٍ نبيل، كمن يعرف أنّ العظمة ليست في القوة، بل في الاستمرار.

وفي النهاية، نحن لا نُقاس بما نملك أو بما نُنجز، بل بقدرتنا على النهوض بعد السقوط.
وهذا وحده ما يجعل الإنسان أقوى من كل ما يؤلمه.
فأن تصمد، يعني أنك ما زلت حيًّا بما يكفي لتحلم… وما زلت تؤمن بأنّ الصبر، مهما طال يا سيدي، لا يضيع سُدى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى