منبر الكلمة

حين تصبح الجريمة بلا رادع.. الأردن بحاجة إلى تشريعات أكثر حزماً

 

عدنان نصّار

لم تعد حماية المجتمع من الجريمة مسألة أمنية فحسب، بل أصبحت قضية وطنية وتشريعية تستدعي مراجعة جادة لمنظومة القوانين والعقوبات، في ظل ما يفرضه الواقع من تحديات تتعلق بالإرهاب والجريمة المنظمة والاعتداء على أرواح الناس وممتلكاتهم، وانتشار بعض السلوكيات الإجرامية التي تهدد أمن المجتمع واستقراره.

وما حدث يوم الخميس، من استشهاد شرطي في مقتبل العمر، وإصابة عدد من زملائه أثناء أداء واجبهم، ليس جريمة عادية يمكن المرور عليها باعتبارها حادثة أمنية عابرة. نحن أمام اعتداء تجاوز كل الخطوط الحمراء، واستهدف رجالاً نذروا أنفسهم لحماية الناس وصون أمن المجتمع. إن دماء هذا الشرطي الشاب، وما أصاب زملاءه، تضعنا أمام مسؤولية وطنية وتشريعية لا تحتمل التأجيل، وتفرض مراجعة جادة للعقوبات والإجراءات القانونية بحق كل من يعبث بأمن الوطن ويهدد حياة أبنائه. فلا تساهل مع الإرهاب، ولا تهاون مع المارقين على القانون والمجرمين الذين يعتقدون أن بإمكانهم تحدي الدولة وترويع المجتمع دون حساب.

فالدولة التي تحترم مواطنيها مطالبة أولاً بحماية حقهم في الحياة والأمن والطمأنينة، ولا يجوز أن يشعر المواطن بأن القانون عاجز عن حمايته، أو أن بعض المجرمين يستطيعون تكرار جرائمهم والعودة إلى الشارع دون أن تكون هناك عقوبات تتناسب مع خطورة أفعالهم.

وفي الأردن، حيث يشكل الأمن والاستقرار ركيزة أساسية في حياة الدولة والمجتمع، تبرز الحاجة إلى فتح نقاش وطني وتشريعي حول ضرورة تغليظ العقوبات على مرتكبي الجرائم الخطيرة، وفي مقدمتها الجرائم الإرهابية، والقتل العمد، والاعتداءات المسلحة، وتجارة المخدرات المنظمة، والجرائم التي تستهدف الأطفال والنساء، وجرائم العصابات والترويع والبلطجة المنظمة.

القانون ليس نصاً للقراءة.. بل سلطة للردع

إن هيبة القانون لا تتحقق بمجرد وجود النصوص التشريعية، وإنما بقدرتها على منع الجريمة ومحاسبة مرتكبيها، وتحقيق العدالة للضحايا، وضمان عدم تكرار الاعتداء على المجتمع.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد زيادة العقوبات بصورة عشوائية، بل إعادة النظر في فلسفة العقوبة، بحيث تصبح أكثر تناسباً مع خطورة الجريمة، وظروف ارتكابها، وآثارها على الضحايا والمجتمع.

فليس من المقبول أن تتساوى في المعالجة القانونية جرائم بسيطة يمكن إصلاح مرتكبيها، مع جرائم خطيرة ترتكب بقصد القتل أو الإرهاب أو ترويع المواطنين أو تدمير ممتلكاتهم.

هناك فارق كبير بين من يرتكب مخالفة عابرة، وبين من يحمل السلاح ويهدد حياة الناس، أو ينتمي إلى تشكيل إجرامي منظم، أو يتعمد تكرار الاعتداءات رغم صدور أحكام قضائية بحقه.

الأردن بحاجة إلى منظومة تشريعية متكاملة

إن المرحلة الراهنة تستدعي من الحكومة ومجلس الأمة، بشقيه الأعيان والنواب، دراسة إمكانية تطوير منظومة التشريعات الجزائية، والعمل على مراجعة قانون العقوبات وقانون منع الإرهاب والتشريعات ذات الصلة، بما يضمن وجود عقوبات واضحة ورادعة تتناسب مع طبيعة الجرائم المستحدثة والمتطورة.

وهنا يمكن طرح مجموعة من المسارات التشريعية المهمة:

أولاً: تغليظ العقوبات على الجرائم الإرهابية، وكل من يشارك أو يخطط أو يمول أو يوفر الدعم اللوجستي للأعمال الإرهابية، مع تجفيف منابع التمويل وملاحقة الشبكات المرتبطة بها.

ثانياً: تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم القتل العمد والاعتداءات المسلحة، والجرائم التي تستخدم فيها الأسلحة النارية أو البيضاء بقصد إزهاق الأرواح أو ترويع المواطنين، والاعتداءات التي تستهدف رجال الأمن أثناء أداء واجبهم.

ثالثاً: وضع أحكام أكثر حزماً بحق أصحاب السوابق الذين يكررون ارتكاب الجرائم الخطيرة، بحيث تكون العودة إلى الجريمة ظرفاً مشدداً وفق ضوابط قانونية واضحة.

رابعاً: مواجهة العصابات الإجرامية والبلطجة المنظمة وفرض الإتاوات وترويع أصحاب المحال التجارية والمواطنين، باعتبارها اعتداءً مباشراً على أمن المجتمع وحق الناس في ممارسة حياتهم وأعمالهم بأمان.

خامساً: تشديد العقوبات على الجرائم التي تستهدف الأطفال والنساء والفئات الأكثر عرضة للاستغلال والاعتداء، وتوفير حماية قانونية حقيقية للضحايا والشهود.

سادساً: تعزيز ملاحقة شبكات الاتجار بالمخدرات وترويجها، ومصادرة الأموال والعائدات المتأتية من الأنشطة الإجرامية وفق أحكام القانون.

لا حصانة لمجرم.. ولا استثناء في تطبيق القانون

ومن المسائل التي تستحق اهتماماً تشريعياً خاصاً، ضرورة ضمان عدم إفلات أي شخص من المساءلة بسبب نفوذه الاجتماعي أو المالي أو الوظيفي أو علاقاته، فالقانون يجب أن يكون مظلة للجميع، لا أن يتحول إلى نصوص تطبق على الضعفاء وتتراجع أمام أصحاب النفوذ.

كما أن سرعة إنجاز القضايا الجزائية، ورفع كفاءة التحقيق، وتعزيز قدرات الأجهزة المختصة، وحماية الشهود والمبلغين، كلها عناصر لا تقل أهمية عن تغليظ العقوبات نفسها.

فالعقوبة الرادعة تفقد جانباً من أثرها إذا طال أمد التقاضي، أو تعثرت إجراءات التنفيذ، أو شعر الضحايا بأن حقوقهم تضيع في دهاليز الإجراءات.

الردع لا يعني التخلي عن العدالة

ولأن الحديث عن تشديد العقوبات يجب ألا ينفصل عن دولة القانون، فإن المطلوب هو تحقيق التوازن بين الردع والعدالة، واحترام قرينة البراءة وحقوق الدفاع واستقلال القضاء، وعدم التوسع في التجريم أو العقاب خارج الضمانات الدستورية.

فالعقوبات البديلة والإصلاح والتأهيل يمكن أن تكون أدوات مهمة في التعامل مع الجنح والجرائم الأقل خطورة، لكنها ليست بديلاً عن العقوبات المناسبة للجرائم الإرهابية والجرائم الجسيمة والاعتداءات التي تهدد حياة الناس وأمنهم.

إن المجتمع لا يطلب الانتقام، وإنما يطلب العدالة، ولا يريد أن تتحول السجون إلى غاية بحد ذاتها، لكنه يريد أن يعرف كل من يفكر في الاعتداء على حياة الآخرين أو أمنهم أو ممتلكاتهم أن هناك قانوناً سيحاسبه، وأن تكرار الجريمة لن يمر دون عواقب مشددة.

من يشرّع هذه القوانين؟

إن مجلس الأمة أمام مسؤولية وطنية في فتح هذا الملف، والاستماع إلى الجهات الأمنية والقضائية والقانونية، والاستفادة من الدراسات المتخصصة، وإطلاق حوار تشريعي جاد يفضي إلى تعديلات مدروسة على القوانين النافذة، أو إعداد تشريعات جديدة عند الحاجة.

كما أن الحكومة مطالبة بتقديم رؤية واضحة حول كيفية تطوير السياسة الجنائية، وتحديد الثغرات التشريعية والإجرائية التي قد يستفيد منها مرتكبو الجرائم الخطيرة، ووضع آليات عملية لمتابعة تنفيذ الأحكام القضائية.

نحن لا ندعو إلى دولة العقوبات، بل إلى دولة القانون الذي يحمي الناس، وينصف الضحايا، ويردع المجرمين، ويمنع تكرار الاعتداءات.

فالأمن ليس مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، وإنما مسؤولية تشريعية وقضائية ومجتمعية مشتركة.

أخيراً..

ليس المطلوب أن ننتظر وقوع الجريمة حتى نتحرك، أو أن نكتفي ببيانات الإدانة والاستنكار بعد كل حادثة مؤلمة. المطلوب أن نمتلك شجاعة مراجعة التشريعات، وأن نضع سلامة المواطن وكرامته وحقه في الحياة الآمنة في مقدمة الأولويات الوطنية.

الأردن يستحق منظومة قانونية أكثر قدرة على مواجهة الجريمة، وأكثر حزماً في ملاحقة مرتكبيها، وأكثر عدالة في حماية الضحايا.

فحين يعرف المجرم أن القانون لن يتساهل مع جريمته، وحين يطمئن المواطن إلى أن الدولة قادرة على حمايته وإنصافه، تكون هيبة الدولة قد أخذت معناها الحقيقي.

القانون الذي لا يردع الجريمة يحتاج إلى مراجعة، والدولة التي تحمي مواطنيها تبدأ من تشريع يحفظ أمنهم وكرامتهم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى