
حكومة حسان… هل تحتاج إلى جراحة أم استئصال؟
د. خلدون نصير / المدير المسؤول
رغم التراجع الملحوظ في المزاج العام مقارنة بالبدايات، ورغم المؤشرات الاقتصادية التي لا تبدو مطمئنة لكثير من الأردنيين، ورغم الانتقادات الواسعة التي طالت أداء وتصرفات عدد من الوزراء والتي اعتبرها الشارع في كثير من الأحيان مستفزة أكثر منها مقنعة، ما زال رئيس الوزراء جعفر حسان يؤكد أنه لا يحبذ التعديل الوزاري ولا يرغب به. وكأن الرسالة التي تصل للناس ببساطة: أنا راضٍ عما يحدث.
لكن السؤال الأهم: هل الشارع أيضًا راضٍ؟
لأن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله بقرار هنا أو تصريح هناك. فثمة حالة ضجر تتشكل بهدوء، وأحاديث تتكرر في المجالس ومواقع التواصل والشارع، مفادها أن بعض الوزراء لا يقرأون الشارع جيدًا، وبعضهم يتصرف وكأن ردود فعل الناس مجرد ضجيج عابر يمكن تجاوزه.
ورغم أن استطلاعات الرأي ما تزال تمنح الحكومة مساحة للحركة، إلا أن الأرقام نفسها تقول إن المزاج العام لم يعد كما كان في البدايات، وإن التراجع التدريجي في مؤشرات الرضا يرسل إشارات تستحق التوقف عندها، لا التعامل معها باعتبارها مجرد أرقام عابرة. فالحكومات لا تُقاس ببداياتها وحدها، بل بما تبقيه من أثر بعد مرور الوقت.
وإذا كانت الحكومات تُقاس بالأثر لا بالخطاب، فكيف يمكن تجاهل الانتقادات التي طالت ملفات العمل والضمان، والإدارة المحلية، والزراعة، والطاقة، وكلف المعيشة، وتراجع القوة الشرائية، واتساع الحديث عن الفقر والبطالة؟
في الإدارة المحلية تحديدًا يبدو المشهد أكثر حساسية. قيل يومها إن حل المجالس البلدية ومجالس المحافظات سيكون مرحلة مؤقتة، وإن اللجان المعينة مجرد جسر عبور قصير. لكن المؤقت بدأ يطول، والناس ما زالت تسأل: أين المواعيد الواضحة؟ وأين الرؤية؟ وأين الانتخابات؟
والأهم: ما هي المعايير التي بُنيت عليها بعض التعيينات؟
فالجدل لم يكن بسبب وجود لجان بحد ذاته، بل بسبب انطباع شعبي واسع بأن بعض الأسماء جاءت بمنطق العلاقات والتوازنات أكثر من اعتمادها على الكفاءة والمعايير الواضحة. وزاد الجدل حين تداول الناس أسماء لشخصيات سبق أن كانت جزءًا من مجالس منتخبة سابقة، لتظهر أسئلة مشروعة: إذا كان الهدف ضخ دماء جديدة، فأين الجديد؟ وإذا كان الهدف الكفاءة، فأين المعايير المعلنة؟
وهنا لا تتم محاكمة أحد ولا إدانة أحد، لكنها قراءة لأسئلة يطرحها الناس ولم تجد حتى الآن إجابات كافية.
وفي الزراعة، ما زالت ملفات الأغنام السورية والحليب المستورد وغيرها من القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا حاضرة في ذاكرة الناس. وفي العمل والضمان، ما تزال الأسئلة أكبر من الإجابات، وما رافق التعديلات المقترحة خلق حالة قلق لم تغادر المجالس حتى اليوم.
أما الطاقة، فالقصة مختلفة ومؤلمة في آن واحد. فالمواطن لا يتابع تحليلات النفط العالمية ولا حركة الأسواق الدولية. المواطن يسأل سؤالًا أبسط: لماذا يشعر أن كل شيء يزداد كلفة؟ لماذا تتراجع قدرته الشرائية؟ ولماذا أصبحت فاتورة الحياة كلها ترتفع أسرع من أي شعور بانفراج اقتصادي؟
ولم تعد المشكلة في القرارات وحدها، بل في التصريحات أيضًا. خلال الفترة الماضية خرجت تصريحات لبعض الوزراء أثارت غضبًا واسعًا، وبعضها تحول إلى مادة للسخرية والتندر أكثر مما تحول إلى رسائل طمأنة. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ لأن الوزير لا يُحاسب فقط على القرار، بل على قدرته في فهم الناس، وقراءة المزاج العام، ومعرفة متى يتحدث وكيف يتحدث.
فهناك فرق كبير بين تصريح يشرح الأزمة… وتصريح يجعل المواطن يشعر أن من تحدث لا يعيش الواقع الذي يعيشه.
ثم يأتي من يحدثنا عن إنجاز حكومي كبير، ويحاول إقناعنا أن هذه الحكومة أفضل من سابقاتها.
عن أي إنجاز نتحدث؟
هل الإنجاز بعدد الاجتماعات؟ بعدد التصريحات؟ بعدد الجولات؟ أم بقدرة الوزير على احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى حالة غضب عامة؟
أنا هنا لا أتهم رئيس الحكومة بقدر ما أنتقد عدم محاسبته لفريقه.
ففي الحكومات السابقة، لم يكن التعديل الوزاري دائمًا اعترافًا بالفشل، بل كان في كثير من الأحيان تصحيح مسار وإنقاذًا للحكومة من نفسها قبل اتساع الفجوة مع الشارع.
أما الإصرار على أن كل شيء بخير، وأن الأداء ممتاز، وأن الأمور تسير كما يجب، فقد يدفع الناس إلى التفكير بأن المشكلة لم تعد تحتاج تعديلًا… بل شيئًا أكبر.
على حسان أن يراجع المشهد جيدًا، وألا يختبر الشارع أكثر. فنحن من الشارع، ونجلس مع الناس، ونسمع ما لا تحب الحكومات سماعه أحيانًا.
فالشارع الأردني صاحب كلمة وموقف وتجارب طويلة.
وهناك فرق كبير بين حكومة تسمع الناس مبكرًا… وحكومة تنتظر حتى يصبح الصوت أعلى من أن يُتجاهل.
