تهديدات أمريكا بالتوغل البري.. كيف يقرؤها الداخل الإيراني؟

رسول آل حائي
اَفاق نيوز – رغم الجاهزية العالية والاستعداد الشامل لإشعال النار بأي قوات غازية قد تطأ أراضينا، فإننا هنا من أجل التحقق من هويات المارة في محيط المنشآت الحساسة للحد من نشاط الخونة والمتعاونين مع العدو”.
هكذا يبرر الشاب مهران (32 عاما) تطوعه في نقاط أمنية استُحدثت عقب تصاعد التهديدات الأمريكية بالتوغل البري في بلاده.
ومع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية المشتركة على طهران شهرها الثاني، يقول مهران -في حديث مقتضب للجزيرة نت- إن القوات المسلحة في بلاده واثقة من قدراتها على ردع العدو، لكنّ “الرأي العام يعيش حالة من الترقب الحذر إثر تزايد التهديدات بدخول قوات أجنبية على أراضينا”.
ويضيف مهران أن النقطة الأمنية المستحدثة تهدف إلى رصد أي أعمال شغب من الداخل أو إنزال جوي محتمل للقيام بعمليات تخريبية لم يتمكن “العدو” من إنجازها عبر القصف المتواصل.
وبينما تتواتر التقارير الغربية حول عزم الإدارة الأمريكية شن عملية برية على إيران، وسط تضارب التصريحات الإسرائيلية بشأن المشاركة فيها من عدمها، يأخذ الخطاب في طهران هذه التهديدات على محمل الجد، في حين بدأت الأسواق تعيد فتح أبوابها بحذر بعد عطلة رأس السنة الفارسية، وسط انقطاعات متكررة للكهرباء بين الفينة والأخرى جراء القصف المتواصل على ربوع البلاد.
خطاب رسمي
ومن خلال رصد الخطاب الرسمي في البلاد، نجد أن نهجين متوازيين يسيطران على وسائل الإعلام الإيرانية أولهما تعبوي يرفع سقف الردع، حيث يهدد قادة عسكريون وسياسيون “بقطع أي قدم تطأ الأراضي الإيرانية”.
أما الثاني فيأخذ من طمأنة الشارع هدفا له، فيوظف الإعلام لتبديد المخاوف، مؤكدا “قدرة المؤسسة المسلحة على الردع”.
رسميا، يؤكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي استعداد بلاده لشتى السيناريوهات، بما فيها التوغل البري، في حين يؤكد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن الحرب تمر بمرحلة حساسة، وأن “العدو” انتقل من مرحلة الضربات الجوية إلى وضع خطط لعمليات برية داخل البلاد.
واعتبر بقائي، في رسالة وجهها للشعب بمناسبة مرور 30 يوما على الحرب، أن القوات الإيرانية على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تصعيد محتمل، وأن الخروج من هذه الحرب سيكون فقط بالنصر.
وعسكريا، حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني، العميد محمد أكرمي نيا، من أن أي توغل بري للعدو سيقابَل بضربات قاسية تتجاوز أضرارها بكثير خسائر “الهجمات المتبادلة عن بعد” في الوقت الراهن.
وأكد المتحدث، في تصريح صحفي، أن القوات المسلحة في بلاده أتمت استعداداتها لمواجهة أي سيناريو يضعه العدو، حتى لو حاول الدخول إلى حرب برية وصفها بأنها “موطن القوة”، وذلك لأن الترتيبات اللازمة لمثل هذه الظروف جرى تجهيزها مسبقا.
خطاب شعبي
وبينما يلوح شبح الحرب كخلفية قاتمة تزيد من ثقل الأعباء المعيشية ويستدعي ذكريات مؤلمة، استطلعت الجزيرة نت آراء عدد من الإيرانيين حيال التهديدات بشن عملية برية على بلادهم، إذ تفاوتت بين الخشية من زيادة الأعباء المعيشية والترحيب بتحول العمليات من القصف الجوي الذي يطال المدنيين إلى صراع بين العسكريين، في حين رأى آخرون أن عقدة الحرب في الشرق الأوسط لن تُحل بسوى عمليات برية ستنتهي بانتصار أحد الطرفين وتؤسس لنظام إقليمي جديد.
من ناحيته، يرجح أحمد (52 عاما) -أحد المهندسين العاملين في شركة النفط الإيرانية- أن يشن الجانبان الأمريكي والإسرائيلي عمليات برية مركبة خلال الأيام القليلة المقبلة عقب نفاد بنك الأهداف الجوية، محذرا من مخططات أمريكية للاستيلاء على نفط بلاده.
وأوضح أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يتحدث عن هذا الهدف بمزاجه المعتاد، ولم يعد يخفي نيته من وراء العملية البرية، وإن بررها بفتح مضيق هرمز.
وفي تصريح للجزيرة نت، يتهم أحمد الرئيس الأمريكي بالتناقض الصارخ في سياساته وخطابه، فهو “يرفع شعار أمريكا أولا من جهة ويعتبر نفسه مدافعا عن السيادة الوطنية، ومن ناحية أخرى يتحرك وفق الأجندة الصهيونية ويتحدث عن استيلاء صريح على ثروات دولة ذات سيادة وهي إيران، وكأنها غنيمة حرب.. هذه ليست سياسة خارجية، بل غطرسة سوقية خطيرة لا بد من مواجهتها بما نمتلك من أدوات”.
سيناريوهات نظرية
في المقابل، تقلل فاطمة، (24 عاما) خريجة فرع الإدارة وعاطلة عن العمل، من احتمالات التوغل البري خلال الأيام المقبلة “نظرا إلى الفجوة الواضحة بين السيناريوهات النظرية وبين الحقائق الميدانية التي تجعل من أي مغامرة من هذا النوع مجازفة غير محسوبة العواقب للجانب الأمريكي، الذي يبحث عن مخرج من الحرب، ومن ورائه الاحتلال الإسرائيلي”.
وفي حديثها للجزيرة نت، تقول إنها لم تكن موالية للنظام الإسلامي الحاكم في بلادها قبل الحرب، لكنّ “الحرب رفعت لدي منسوب الوطنية”، معبرة عن خشيتها من أن أي عملية برية في إيران لن تكون “لا محدودة ولا سريعة ولا منضبطة”، وهذا ما أثبتته تطورات الشهر الأول من الحرب.
وعلي النقيض، يقف الشاب صابر (42 عاما)، الذي يعمل سائق سيارة أجرة، حيث لم يتردد في تأكيد ترحيبه بأي عملية عسكرية تفضي إلى إسقاط النظام ووضع حد لعقود من العزلة التي يرى سياسات طهران الخارجية سببا أساسيا فيها، لكنه لا يخفي تشاؤمه من أن يتراجع ترمب في اللحظات الأخيرة عن تنفيذ تهديده.
وفي حديثه للجزيرة نت، توقع صابر أن تنتهي الحرب بإنزال جوي للسيطرة على مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، ورأى أن “العملية البرية قد لا تنطلق من حيث تركز الأنظار، بل من حيث يصرف النظر عنها عمدا. فالمناورة الإستراتيجية تقتضي أحيانا أن يكون أشد الخطر إيهاما في المقدمة، فيما تُعد العدة في الخفاء حيث تغيب الحسابات”.
وبينما لا توجد داخل المدن أي مظاهر للاستنفار الأمني سوى نقاط التفتيش، رصدنا انتشارا أمنيا أكبر من المعتاد خارج المدن، لا سيما في مداخل القرى والغابات والطرق المؤدية إلى المنشآت الحساسة، وذلك بحضور قوات التعبئة الشعبية (الباسيج).
بيئة معقدة
ويعتقد الباحث السياسي المقرب من الحرس الثوري مهدي عزيزي أن نتيجة أي عملية برية ستصطدم بالتعقيد الجغرافي والعسكري في إيران، وأنه لا يمكن اختزال القدرات الدفاعية الإيرانية في مواجهة أي تهديد بري بمجرد خطوط أمامية تقليدية، لأن القوة البرية في البلاد تستند إلى هندسة دفاعية متعددة الطبقات، تبدأ بقوات النخبة في كل من الجيش والحرس الثوري، مرورا بالشرطة وقوات الأمن الداخلي المنتشرة في ربوع البلاد، وصولا إلى التعبئة الشعبية التي تحوّل المدن والقرى إلى نقاط مقاومة مكثفة، وفق تقديره.
وأكد الباحث الإيراني أن هذا التدرج في التنظيم العسكري ليس مجرد تراكم كمي، بل يعكس فلسفة قتالية تدمج بين العمليات النظامية وحرب العصابات في بيئة معقدة تضم تضاريس وعرة وجزرا إستراتيجية جرى تحصينها على مدى عقود خلت.
وفي حديث للجزيرة نت، يرى عزيزي أن واشنطن تفتقر إلى الدوافع الكافية للانخراط في حرب استنزاف برية في العمق الإيراني، خصوصا مع غياب قاعدة بشرية محلية يمكن الاعتماد عليها، مؤكدا أن بلاده أعدت بنية تحتية دفاعية متطورة تشمل شبكات أنفاق وتحصينات في المناطق الحساسة كالجزر والمناطق الحدودية، في محاكاة واضحة لتجارب سابقة في سوريا والعراق، بما فيها مخاطر متجددة مثل تحركات الجماعات المسلحة.
ويشدد عزيزي على أن التجارب الميدانية في كل من غزة وجنوب لبنان أثبتت أن التفوق الجوي والتقني لا يكفي وحده لحسم المعارك البرية في غياب المشروع السياسي والتحالف المحلي، وهو ما تعتبر إيران أنها أعدت له بإحكام، بعيدا عن “سيناريوهات هوليود” وفق تعبيره، معتبرا “معادلة السكان والبقاء العسكري هي الأكثر جوهرية في المعادلة الدفاعية الإيرانية”.
المصدر: الجزيرة



