الإعلام ليس مرآة… بل زاوية نظر: من الذي يصنع الحقيقة التي نراها؟
كل وسيلة إعلام تنقل لك جزءًا من الحقيقة… ولكن من زاويتها هي، ماذا يحدث فعليًا؟

د.خلدون نصير – المدير المسؤول
في عالمٍ يفيض بالأخبار، يظنّ كثيرون أنهم يرون الحقيقة كما هي، لكن الحقيقة الصادمة التي لا يحب أحد قولها: أن الإعلام لا ينقل الواقع بل يعيد تشكيله، لسنا أمام مؤامرة بالمعنى الساذج، ولا أمام كذبة جماعية، بل أمام منظومة أكثر تعقيدًا.
كل وسيلة إعلام تنقل لك جزءًا من الحقيقة… ولكن من زاويتها هي، ماذا يحدث فعليًا؟
الخبر لا يبدأ عند المشاهد، بل يبدأ في غرفة التحرير،هناك، لا يُطرح السؤال: “ما الذي حدث فقط؟”
بل السؤال الحقيقي هو: كيف سنعرض ما حدث؟
أي:ما الذي سنبرزه؟و ما الذي سنختصره؟ ومن الذي سنستضيفه؟ وأي صوت سنرفعه… وأي صوت سنخفضه؟
وهنا تحديدًا، تبدأ السياسة، فالإعلام ليس كاذبًا… لكنه انتقائي و أخطر ما في الإعلام الحديث أنه لا يحتاج إلى الكذب، يكفيه أن يختار زاوية معينة يكررها ويمنحها شرعية عبر الخبراء والتحليل فتتحول “وجهة نظر” إلى “حقيقة عامة”.
والسؤال الذي يطرح نفسه ويطرحه الاخرون هل الإعلام محايد؟ ولماذا ؟
الإجابة المختصرة: لا، ليس لأن الصحفيين سيئون، بل لأن الإعلام: مرتبط بتمويل و محكوم بسياسات ويعمل ضمن بيئات سياسية واقتصادية وهذا ينطبق على الجميع… دون استثناء.
فحين تتقاطع المصالح… يتشكل الرأي العام
هنا النقطة الأخطر، في كثير من الأحيان، تختلف وسائل الإعلام في التفاصيل، لكنها تتفق — بشكل مباشر أو غير مباشر — على الإطار العام للرواية ، وعندما تتشابه الزوايا وتتكرر نفس المصطلحات ويُعاد إنتاج نفس الخطاب عبر منصات مختلفة فإن ما يحدث ليس مجرد تغطية ، بل توجيه ناعم للرأي العام، ليس بالقوة بل بالتكرارو ليس بالفرض بل بالإقناع التدريجي.
فلماذا يحدث ذلك الآن؟
الجواب باختصارلأننا نعيش في عصر السرعة المنافسة وتضخم المعلومات فالإعلام لم يعد فقط ناقلًا للخبر، بل أصبح فاعلًا في تشكيل المزاج العام، بل أحيانًا صانعًا له.
و الخلاصة تتمثل في ان المشكلة ليست في وجود إعلام مسيّس…بل في اعتقادنا أنه غير مسيّس، ولذلك الوعي الحقيقي اليوم لا يعني أن تصدق أو تكذب الخبر، بل أن تسأل:
من يقدّم لي هذه الرواية؟ ولماذا بهذه الطريقة؟ فالإعلام ليس مرآة تعكس الواقع بل عدسة تختار كيف تريك هذا الواقع،
ومن لا يدرك ذلك، قد لا يكون مخدوعًا بالكذبة… بل بالحقيقة الناقصة،



