ترامب يريد دولارًا ضعيفًا، فماذا عنا نحن؟
في ظل ربط الدينار بالدولار وسيطرة سياسة نقدية غير مرنة، يتفاقم العجز التجاري والدين العام في اقتصاد أردني لا إنتاجي ومكبّل خارجيًا.

رشيد علي
للمرة الرابعة على التوالي منذ مطلع العام الجاري، ثبتت لجنة السوق المفتوحة التابعة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة عند نطاق (4.25% – 4.5%) في اجتماعها الأخير الذي انعقد في 18 حزيران الماضي، ما كرر المشهد المعتاد المتمثل باستنكار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لعدم خفض أسعار الفائدة ونعته جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي، بالغباء والفشل.
ترامب يريد تخفيض أسعار الفائدة -بواقع نقطتين على الأقل حاليًا- بهدف إضعاف الدولار، وهو مطلب نادى به منذ ولايته الأولى، فهو يعتقد أن إجراء كهذا من شأنه تعزيز تنافسية الصادرات الأمريكية في السوق الدولية، وتخفيض خدمة الدين العام الأمريكي الذي وصل إلى مستويات فلكية. في المقابل يرى الاحتياطي الفيدرالي أنه، ورغم التراجع التدريجي لحدة الحرب التجارية التي شنتها إدارة ترامب على العالم منذ مطلع نيسان الماضي، إلا أن المؤشرات الاقتصادية ما تزال تحتاج لبعض الوقت للتأكد من أن عدم وضوح العلاقات التجارية الخارجية لن يرتد على هيئة موجات تضخمية، إلى جانب مراقبة الآثار الاقتصادية للصراع في غرب آسيا والحرب الروسية الأوكرانية، باعتبار أن التوترات الجيوسياسية تُعد من العوامل غير المباشر المؤثرة في صياغة السياسة النقدية.
يسير الاحتياطي الفيدرالي على هدى المدرسة النقدية، التي ترى أن الهدف الرئيس للسياسة الاقتصادية يكمن في تحقيق الاستقرار النقدي أي استقرار قيمة النقود تجاه الأسعار، وأن التضخم هو ظاهرة نقدية تتعلق فقط بكمية المعروض من النقد في التداول. يرى النقدويون أن نزوع أسعار الفائدة إلى الارتفاع مرتبط بزيادة الدخل وبالتالي زيادة أسعار السلع والخدمات كنتيجة لزيادة الطلب، وعليه سيقوم الدائنون برفع أسعار الفائدة كتأمين ضد التغير التصاعدي المتوقع للأسعار كضمان لعدم اندثار قيمة نقودهم خلال فترة سداد القرض. يضفي الفكر النقدوي طابعًا «قسريًا وأحاديًا» على الربط «السببي» بين المعروض النقدي والتضخم، وبالتالي فهو يغفل دور العوامل الاجتماعية والإنتاجية العابرة للقومية في تكوّن الأسعار، فضلًا عن التعمية عن الاحتكارات واستغلال العمل البشري ودوران رأس المال وانتقاله نحو القطاعات الاقتصادية الأكثر ربحية، وغير ذلك من عناصر إعادة الإنتاج الرأسمالي الموسع العابرة للحدود، والمحدِّدة لتكون الأسعار.
يأتي سعي ترامب لإضعاف قيمة الدولار في إطار ما بات يُعرف باتفاق مارالاغو، وهذا الأخير ليس اتفاقًا رسميًا يضم طرفين أو أكثر من القوى الاقتصادية على الساحة الدولية، بل مجموعة من الأفكار والوثائق المتداولة بين فريق ترامب الاقتصادي. كما أنه ليس الأول من نوعه، إذ سبقته محاولات لخفض قيمة الدولار أمام العملات الرئيسية، ابتداء من صدمة نيكسون 1971 التي فكت ارتباط الدولار عن الذهب ما أدى إلى انخفاض قيمة الأول وارتفاع قيمة الثاني، واتفاقية بلازا 1985 التي وُقعّت بين القوى الاقتصادية العظمى حينها (ألمانيا الغربية، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، واليابان) للاتفاق على التدخل المنسق في سوق صرف العملات بهدف خفض قيمة الدولار.
ما الذي يعنيه هذا الكلام لدولة مثل الأردن؟
هناك العديد من الدول التي ترتبط عملاتها بسعر صرف ثابت تجاه الدولار الأمريكي، مثل غالبية جزر منطقة الكاريبي الخاضعة للهيمنة الأمريكية، بالإضافة إلى دول الخليج باعتبار أن النفط الذي تُشكّل عائداته الجزء الأكبر من دخلها يُباع بالدولار. وهناك الأردن التي تحثل عملته المحلية مرتبة رابع أقوى عملة في العالم من حيث القيمة مقابل الدولار.
منذ تشرين الأول 1995، يرتبط الدينار الأردني بالدولار الأمريكي بسعر صرف ثابت (1 دولار = 0.709 دينار)، ويبرر الجانب الرسمي هذا الربط والتمسك به عبر نسخ حركة أسعار الفائدة الصادرة عن الاحتياطي الفيدرالي، بأنه عامل مهم للاستقرار النقدي والمالي في البلاد، باعتبار أنه يجنب الفاعلين الاقتصاديين، أفرادًا ومؤسسات، التحوط من مخاطر تغير سعر الصرف، ما من شأنه جذب الاستثمارات وبث الاستقرار في الاقتصاد وحمايته من موجات التضخم الكبيرة، لأن الدينار لن تنخفض قيمته بشكل مفاجئ لطالما أنه مرتبط بالدولار، أي أن القدرة الشرائية للدينار لن تتعرض إلى هزات عنيفة.
أتت «سياسة سعر الصرف الثابت» في أعقاب الأزمة المالية والنقدية التي ضربت الاقتصاد الأردني نهاية الثمانينيات. وإذا ما تناولنا، بمعزل عن السياق التاريخي ومن منظور تحليلي تقني مجرد، نتائج الأزمة من ارتفاع لمستويات التضخم وانهيار سعر الصرف ودخول احتياطي العملات الأجنبية المنطقة السالبة وما ترتب على ذلك من آثار اجتماعية سلبية، يُمكن القول إن ربط الدينار بالدولار كان إجراءً سليمًا في حينها، يهدف إلى استعادة الثقة بالاقتصاد.
لكن هل من المنطقي استمرار هذا الربط بعد حوالي ثلاثة عقود من الزمن، علمًا أن الأردن لا يمتلك سلعة استراتيجية كالنفط يمكن تقديمها كمبرر لهذا الربط؟ وهل تركيز السياسة النقدية الأردنية على اتباع سعر فائدة أجنبي على هذا النحو الصارم مفيد للاقتصاد الذي لا تحدد بنيته سعر الفائدة فيه؟
تتأثر قيمة الدينار بتغير سعر صرف الدولار أمام العملات الأخرى، وهذا ما يؤثر بطبيعة الحال على الميزان التجاري الأردني حتى لو لم يكن التأثير فوريًا. فعند ارتفاع الدولار يكون بمقدور التجار في الأردن استيراد كميات أكبر من البضائع، أما المصدرون فتتأثر قدرتهم على التصدير لارتفاع سعر منتجاتهم وبالتالي انخفاض تنافسيتها. وعند انخفاض الدولار يحدث العكس، فيكون التجار أمام خيارين، إما أن يقللوا من كمية البضائع المستوردة أو أن يعكسوا نسبة انخفاض الدولار على شكل ارتفاع محلي في الأسعار أو كليهما، وهذا ما يؤدي إلى استيراد تضخم غير نابع من عمليات اقتصادية داخلية.
إذًا، في ظل بنية إنتاجية ضعيفة نسبيًا وعجز مزمن في الميزان التجاري، لا يستطيع الاقتصاد الأردني تعويض ارتفاع قيمة الواردات المدفوع بارتفاع الدولار عن طريق تكثيف الإنتاج وزيادة الصادرات، ذلك لأنه اقتصاد معتمد تاريخيًا وإلى درجة كبيرة على الاستيراد، ما أضعف هياكل الإنتاج بمختلف مستوياتها من البدائية إلى المعقدة إن وُجدت. ولن يكون لانخفاض الدولار وبالتبعية الدينار أثر يذكر على إعادة بناء هذه الهياكل بهدف تشجيع الصادرات وسد الفجوة في الميزان التجاري، فهذا يحتاج إلى إنفاق رأسمالي موجه نحو القطاعات الإنتاجية، والدولة غير قادرة على تأمينه لأن إنفاقها في مجمله إنفاق جارٍ يذهب لسداد الرواتب وخدمة الدين العام.
بكلمات أخرى، لن يؤثر انخفاض أو ارتفاع قيمة الدولار إيجابيًا على الميزان التجاري الأردني، لأن الدينار مرتبط بسعر صرف ثابت مع الدولار الذي تتغير قيمته تبعًا لاحتياجات الاقتصاد الأمريكي، ما يعني أن الدينار يتبع مسار قيمة الدولار تجاه العملات الأخرى بغض النظر عن المتطلبات النقدية للقطاعات الإنتاجية التي هي أساس عملية التصدير. وهذا ما يساهم في تفسير العجز المزمن في الحساب الجاري لميزان المدفوعات الذي يقيس صافي التدفقات المالية الداخلة والخارجة من البلد، والناتج عن العمليات التجارية من استيراد وتصدير للسلع والخدمات، والتحويلات الجارية من تحويلات مغتربين ومنح ومساعدات وغيرها.
وهنا لا بد من الإشارة إلى مفارقة ظاهرية تتمثل بعجز مزمن في الحساب الجاري -والذي يعني وجود نزف دولاري باتجاه الخارج- في الوقت الذي تتنامى فيه الاحتياطيات النقدية الأجنبية في خزائن البنك المركزي، والتي بلغت العام الماضي أكثر من 21 مليار دولار وهو ما يتيح للدولة تغطية الواردات لأكثر من ثمانية أشهر، أي قدرتها على تلبية التزاماتها الخارجية، وهو مستوى مريح فعلًا يدل على استقرار الاقتصاد.
لكن سرعان ما تتبدد هذه المفارقة لدى التدقيق في أبرز عناصر هيكل هذه الاحتياطيات. على سبيل المثال، سجل احتياطي الذهب ارتفاعًا بحوالي المليار دينار بالنظر إلى استمرار ارتفاع قيمته عالميًا، وتقريبًا بنفس المقدار ارتفع بند «نقد وأرصدة وودائع جاهزة» الذي يضم ودائع لحكومات أجنبية (عربية في المقام الأول) إلا أننا لا نعلم حجم هذه الودائع لعدم وضوح ذلك إحصائيًا. ومن اللافت أيضًا أن سندات وأذونات الخزينة الصادرة بالدولار (3.1 مليار دينار في 2024) تعد أحد عناصر الاحتياطي الأجنبي، فهي في النهاية عبارة عن ديون يُفترض أن يجري سدادها في موعد استحقاقها.
لدى سؤاله عن هذه الجزئية، أشار الخبير الاقتصادي فهمي الكتوت إلى أن هيكل الاحتياطيات النقدية الأجنبية يدل على الطبيعة اللاإنتاجية للاقتصاد، وأنه معتمد على التدفقات المالية من الخارج (الدين الخارجي والودائع والمساعدات والهبات) أكثر من كونه يستند على قاعدة متينة من الإنتاج المادي القادر على رفده بالقطع الأجنبي.
تعارض واضح بين السياستين النقدية والمالية
القول إن السياسة النقدية الأردنية تتسم بعدم المرونة هو أمر صحيح تمامًا، لكن هذا الطرح لا يبين المحتوى الاجتماعي والطبقي لهذه السياسة التي يتم تصويرها على أنها مجموعة من الإجراءات التقنية المحايدة، الهدف من ورائها الحفاظ على الاستقرار النقدي بفعل مستويات معقولة ومتوازنة من التضخم وسعر الصرف فحسب.
يخاف المسؤولون عن صياغة وتنفيذ السياسة النقدية في الأردن من عدم عكس أسعار الفائدة الأمريكية على الاقتصاد الوطني، باعتبار ذلك سيؤدي إلى تسرب رؤوس الأموال إلى الخارج بحثًا عن الاستثمار في أصول أكثر ربحًا، وهذا تفكير منطقي في ظل عدم وجود قيود جوهرية على حركة رؤوس الأموال، لذا يجب أن تكون أسعار الفائدة في الأردن أعلى من نظيرتها الأمريكية للحفاظ على جاذبية الدينار كعملة استثمارية وادخارية.
تبدو هذه الحجة صحيحة، لكن إذا ما دققنا أكثر نرى أن هذه السياسة كان وما زال لها آثار وخيمة على المالية العامة، والتي من أبرزها تعاظم الدين العام الذي سجل العام الماضي 44.5 مليار دينار (117% من الناتج المحلي الإجمالي). لنستشهد بالمثال التالي: ما بين عامي 2009 و2015، أقرضت البنوك الأردنية الجهازَ الرسمي بأسعار فائدة تراوحت بين 4% و7%، في حين لم يرتفع المعدل السنوي لأسعار الفائدة الأمريكية عن 0.2% بالنظر لسياسة التيسير الكمي التي اتبعها الاحتياطي الفيدرالي بعد الأزمة المالية العالمية.
أدى ذلك إلى تنامي أرباح الشرائح المصرفية التي تدير وتملك مؤسسات ذات طابع لاإنتاجي. فعلى سبيل المثال، وصل صافي أرباح البنوك الأردنية بعد الضريبة العام الماضي إلى مستوى قياسي جديد هو 1.3 مليار دينار، ومن المرجح أن يرتفع هذا الرقم في السنوات اللاحقة بالنظر إلى حُمى ارتفاع أسعار الفائدة التي أطلقها الاحتياطي الفيدرالي منذ مطلع 2022 وحتى منتصف 2024، والتي أصابت الاقتصاد الأردني على المستويين الكلي والجزئي، فزادت كلفة الاقتراض وارتفعت فاتورة الاستيراد وحُدَّت قدرة الشركات على التمويل، وعانى الأفراد المقترضون العاديون من ارتفاع أسعار الفائدة بأثر رجعي أعاد جدولة قروضهم ورفع قيمة الأقساط التي يدفعونها.
من جهة أخرى، تستمر أعباء خدمة الدين (سداد أقساط القروض والفوائد) بالتهام أجزاء أكبر فأكبر من الإنفاق العام، ما يؤدي إلى زيادة عجز الموازنة الذي يتطلب سده أو التعامل معه -للمفارقة- المزيد من الاستدانة. بالنتيجة، تصبح حالة السياسة المالية التي من مهامها وأهدافها إدارة العجز عبر ضبط الإيرادات والنفقات وتحقيق النمو والتوظيف ودرجة معقولة من العدالة الاجتماعية، تصبح كحال الموازنة، مصابة بالعجز لوجود سياسة نقدية تؤبد حالة الاقتصاد اللاإنتاجي، وتؤدي إلى توجيه جزء معتبر من الإنفاق العام لخدمة الدين، أي لتأمين الريع اللاإنتاجي. هذه السياسة النقدية المستمرة منذ عقود علّقت الاقتصاد بالهواء وجعلته يتحرك بحسب أسعار فائدة مفروضة من الخارج، وساهمت في تعميق طبيعته الاستهلاكية.
هذا يعني أن عبارات من قبيل الحفاظ على «سعر جاذب للدينار» أو «سعر صرف متوازن» ما هي إلا ستار لعملية إعادة توزيع لجزء من الثروة داخل المجتمع الأردني. وهذه الثروة التي تستحوذ على معظمها برجوازيات لاإنتاجية (مصرفية وتجارية وغيرهما) محفوظة عند مستوى ثابت بفعل تثبيت سعر الصرف مع الدولار، ما يتيح لها تحويل جزء منها إلى الخارج لاستدامة عمليات استيراد البضائع والخدمات، أو البحث عن استثمارات أكثر ربحية أو نقلها إلى الخارج لأغراض شخصية ببساطة.
ما العمل؟
ليس متوقعًا من الاقتصاد الأردني تحدي هيمنة الدولار، فهذا على أي حال مطلب غير منطقي بنفس درجة لا منطقية استمرار الوضع الحالي، والمتمثل بتعاظم العجز التجاري ومعه الدين العام، والتعامل بثقة عمياء تجاه استمرار تدفق القطع الأجنبي عبر قنوات لا تستند إطلاقًا للإنتاج الحقيقي. من الممكن بحث مسار تدريجي لعلاج الوضع يبدأ بتضييق مساحة الاستيراد بالأخص للسلع الكمالية التي يستدعي جلبها إلى البلد إخراج كميات أكبر من القطع الأجنبي وذلك لصالح بدائل أرخص وبدائل وطنية تُتَاح لها سبل تمويلية ميسرة، إلى جانب تخفيض سقوف حركة رؤوس الأموال إلى الخارج.
وبالتوازي مع ذلك من الممكن أن تُنتَهج سياسة نقدية جديدة من ناحيتي تحديد سعر صرف الدينار عبر الانتقال التدريجي من سعر الصرف الثابت إلى ربط مرن مع سلة من العملات تقلل من حدة الإدمان على الدولار وتعكس العلاقات التجارية الخارجية، وبناء احتياطيات نقد أجنبي لا ترتكز غالبيتها العظمى على الدولار. على سبيل المثال، الشريك التجاري الأول للأردن من حيث الواردات هو الصين، وهذه الأخيرة لديها ما يكفي من الدولارات. إن كل هذا يساعد في تقليص الانكشاف على التغيرات النقدية العالمية وفي بناء حوائط صد تحمي الاقتصاد من هذه التغيرات، وقد يمنح استقلالية حقيقية للمؤسسات النقدية والمالية عبر فرض مسافة أمان تفصلها عن الاحتياطي الفيدرالي الذي سعى إلى جعل البنوك المركزية للدول النامية مجرد أفرع له تؤمن دخول وخروج الدولار من وإلى المركز الرأسمالي، أي الولايات المتحدة.
لكن وبحكم ما أنتجه السير في طريق الاقتصاد الريعي من طبقات نافذة لها مصلحة في تأبيد الوضع القائم، وذلك بدلالة استمراره، قد يتحول البحث عن بدائل إلى سعي لا طائل منه، مثله مثل محاولة الإجابة على السؤال الوارد في عنوان هذا المقال.



