Uncategorized

تأجيل الانتخابات البلدية بين الصلاحية القانونية وضرورات الإصلاح السياسي

 

إياد عبد الفتاح النجار

كاتب وباحث في الشأن العام

الأمين العام لحزب القدوة الأردني

أثار قرار مجلس الوزراء بتأجيل انتخابات المجالس البلدية نقاشًا قانونيًا وسياسيًا واسعًا، خاصة في ظل المرحلة التي تمر بها الدولة الأردنية ضمن مسار تحديث المنظومة السياسية وتعزيز اللامركزية.

ومن حيث المبدأ القانوني، لا خلاف على أن قانون الإدارة المحلية منح مجلس الوزراء صلاحية تقديرية في مسألة تأجيل الانتخابات أو الدعوة إليها، استنادًا إلى نص المادة (34) التي أجازت للحكومة تأجيل الانتخابات أو حل المجالس وتعيين لجان أو أمين لإدارة شؤون البلدية خلال فترة التأجيل أو الحل.

إلا أن الإشكالية لا تكمن في مشروعية الصلاحية بحد ذاتها، بل في كيفية ممارستها وآثارها على الحياة السياسية المحلية. فالقانون، وإن لم يُلزم الحكومة بإجراء الانتخابات تلقائيًا بعد انتهاء مدة التأجيل، إلا أنه في المقابل لم يقصد أن تتحول الصلاحية الاستثنائية إلى حالة مفتوحة بلا سقف زمني أو وضوح سياسي.

إن استمرار الغموض بشأن موعد الانتخابات البلدية، دون إعلان إطار زمني واضح أو حتى مؤشرات رسمية على الاتجاه العام للحكومة، ينعكس سلبًا على مبدأ اليقين القانوني، ويقوّض عمليًا مبدأ تكافؤ الفرص بين المرشحين المحتملين، الذين يحتاجون إلى وقت كافٍ للتحضير، وبناء البرامج، والتواصل مع المواطنين، وتنظيم عملهم السياسي وفق قواعد واضحة ومعلنة.

ويزداد هذا الغموض تعقيدًا في ظل التأخير في الإعلان الرسمي عن التعديلات المرتقبة على قانون الإدارة المحلية، مقابل تداول واسع لما يُوصف بـ«التسريبات» حول شكل القانون الجديد وصلاحيات المجالس وآليات انتخابها. فالتعامل مع القوانين الناظمة للحكم المحلي عبر التسريبات غير الرسمية يضعف الثقة العامة، ويُربك الفاعلين السياسيين، ويخلق حالة من عدم الاستقرار التشريعي، تتنافى مع أسس العمل الديمقراطي الرشيد.

إن بقاء القانون قيد التداول الإعلامي غير الرسمي، دون طرحه بشكل واضح وشفاف للنقاش العام، يحرم الأحزاب والمرشحين والمجتمع المحلي من حقهم في الاستعداد القانوني والسياسي، ويجعل العملية الانتخابية ـ إن جرت ـ محكومة بقواعد غير مستقرة أو مفهومة بشكل كافٍ.

ومن هذا المنطلق، فإن إعلان الحكومة عن موعد محدد للانتخابات، أو على الأقل عن جدول زمني تقريبي وملزم سياسيًا، بالتوازي مع الإعلان الواضح عن التعديلات المقترحة على قانون الإدارة المحلية، لا يُعد انتقاصًا من صلاحياتها القانونية، بل يُشكل ممارسة رشيدة لهذه الصلاحيات، تتوافق مع مبادئ الشفافية، وتعزز الثقة العامة، وتنسجم مع حق المشاركة السياسية الذي كفله الدستور.

وفي سياق أوسع، لا يمكن فصل ملف الانتخابات البلدية عن مشروع الإصلاح السياسي واللامركزية. فالمجالس البلدية المنتخبة تُعد حجر الأساس في ترسيخ الإدارة المحلية الديمقراطية، وأي إطالة غير مبررة في تعطيل هذا الاستحقاق، أو إبقائه مرتبطًا بتعديلات غير معلنة، تُضعف فكرة اللامركزية، وتُبقي الإدارة المحلية في إطار التعيين المؤقت بدل التمثيل الشعبي.

إن تحديث المنظومة السياسية لا يكتمل بالنصوص والتشريعات وحدها، بل بتطبيقها بروح ديمقراطية، تقوم على حسن استعمال السلطة، والتوازن بين مقتضيات المصلحة العامة وحقوق المواطنين، وعدم تحويل الإجراءات الاستثنائية أو الغموض التشريعي إلى وضع دائم يُفرغ الإصلاح من مضمونه.

وعليه، فإن المطلوب اليوم ليس فقط التمسك بحرفية النص القانوني، بل الارتقاء إلى مقاصده، عبر قرار سياسي وتشريعي واضح يُعيد الاعتبار للعمل البلدي المنتخب، ويُنهي حالة الانتظار والتسريب، ويفتح المجال أمام المواطنين والمرشحين للمشاركة الفاعلة في إدارة شؤونهم المحلية، بما يخدم الدولة ويعزز الثقة بمسار الإصلاح الشامل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى