محليات

بين عدالة المخاطر وعدالة التمويل.. لماذا لا يجوز تحميل المدنيين كلفة التقاعد المبكر للعسكريين؟

بين عدالة المخاطر وعدالة التمويل.. لماذا لا يجوز تحميل المدنيين كلفة التقاعد المبكر للعسكريين؟

 

بقلم: المحامي إسلام الحرحشي/ مدير مركز إحقاق للدراسات القانونية

 

ليست المسألة خلافاً بين فئتين، وليست مواجهة بين المدني والعسكري، وليست جدلاً شعبوياً يمكن اختزاله بشعار عاطفي.

المسألة أعمق من ذلك بكثير.

 

المسألة تتعلق بجوهر فكرة الضمان الاجتماعي ذاتها:

هل هو نظام تأميني يقوم على حسابات اكتوارية دقيقة وعدالة في توزيع الكلف والمنافع؟

أم هو وعاء مالي مفتوح يُعاد توزيع أعبائه وفق اعتبارات إدارية أو سياسية دون ضوابط علمية؟

 

أولاً: لا أحد ينكر خصوصية العسكريين

من حيث المبدأ، لا خلاف على أن طبيعة العمل العسكري مختلفة جذرياً عن العمل المدني.

العسكري:

– يعمل في بيئة خطرة بطبيعتها.

– يخضع لقيود صارمة على الحركة والتعبير والعمل الإضافي.

– يرتبط بمقتضيات الجاهزية الدائمة.

– يستهلك جهده البدني في سن مبكرة نسبياً.

لهذا فإن إتاحة التقاعد المبكر للعسكريين أمر مفهوم ومبرر من زاوية طبيعة الخدمة ومتطلباتها.

لكن – وهنا بيت القصيد – المبرر الوظيفي لا يعني بالضرورة صحة المعالجة التمويلية.

 

ثانياً: الخلط بين العدالة الوظيفية والعدالة المالية

إن العدالة الوظيفية تبرر معاملة مختلفة، لكن العدالة المالية تفرض أن تتحمل كل فئة كلفة نظامها.

إن الضمان الاجتماعي ليس صندوق إعانات، بل هو نظام تأميني يقوم على معادلة واضحة:

اشتراكات محددة = منافع محسوبة وفق مخاطر معينة.

فإذا كانت مخاطر العسكريين أعلى، وسنوات خدمتهم الفعلية أقصر، ومزاياهم التقاعدية أكبر نسبياً، فإن الكلفة الاكتوارية لذلك تكون أعلى بطبيعة الحال.

السؤال الجوهري:

من يدفع الفرق؟

إذا كان الفرق يُغطى من وعاء عام مختلط، أو من حسابات مشتركة ضمن المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي،

فإن ذلك يعني – حسابياً وموضوعياً – تحميل المشترك المدني جزءاً من كلفة نظام لا يخضع له ولا يستفيد من مزاياه.

وهنا تبدأ الإشكالية الحقيقية.

 

ثالثاً: المدني ليس خزينة احتياطية

إن المشترك المدني:

– يدفع اشتراكاته كاملة.

– يخضع لتقييد التقاعد المبكر.

– يتحمل رفع سن التقاعد.

– يُطالب بالتضحية تحت شعار الاستدامة.

فكيف يُطلب منه القبول بتشديد شروط تقاعده، بينما تُحمَّل المنظومة التي ينتمي إليها كلفة نظام مختلف؟

لا يمكن أن نقول للمشترك المدني:

“سنرفع سن تقاعدك حمايةً للاستدامة”،

وفي الوقت ذاته نُبقي كلفاً مرتفعة خارج الحساب الاكتواري الصافي.

إن الاستدامة لا تُجزأ، والعدالة لا تُفصّل على مقاس فئة دون أخرى.

 

رابعاً: الخلل الاكتواري أخطر من الخلل السياسي

أي نظام تقاعدي يقوم على حسابات احتمالية طويلة الأمد، وإن إدخال التزامات ذات طبيعة مختلفة في وعاء واحد يؤدي إلى:

  1. تشويه النتائج الاكتوارية.
  2. تضليل الرأي العام بشأن حقيقة العجز.
  3. تحميل أجيال قادمة كلفاً لم توافق عليها.
  4. توتير العلاقة بين الفئات الاجتماعية.

والأخطر من ذلك: تآكل الثقة في النظام نفسه؛ فعندما يشعر المشترك أن حساباته لا تُدار بمعيار موحد، تضعف قناعته بشرعية الالتزام.

 

خامساً: الحل ليس الإلغاء… بل الفصل

لا أحد يدعو إلى حرمان العسكري من حقه.

بل العكس: يجب أن يُصان حقه بنظام مستقر وواضح.

لكن الحل العادل يتمثل في:

– إنشاء صندوق تقاعد عسكري مستقل.

– تمويله من موازنة الدولة أو مخصصات الدفاع.

– إخضاعه لدراسة اكتوارية مستقلة.

– إعلان أرقامه بشفافية كاملة.

– منع تحميل صندوق المدنيين أي عجز ناتج عنه.

بهذا نحقق معادلة سليمة: (خصوصية في الامتيازات مقابل خصوصية في التمويل)، وهذا هو المنطق الدستوري السليم.

 

سادساً: الدولة تتحمل كلفة خياراتها السيادية

إن الأمن والدفاع مسؤولية الدولة، وليست مسؤولية موظف مدني يعمل في القطاع العام والخاص، فإذا رأت الدولة أن المصلحة الوطنية تقتضي تقاعداً مبكراً للعسكريين، فالدولة مطالبة – أخلاقياً ومالياً – بتحمل كلفة هذا القرار من موازنتها العامة.

أما تحميل الكلفة عبر قنوات غير مباشرة داخل نظام تأميني مشترك، فهذا التفاف مالي لا يغير الحقيقة الحسابية.

 

وفي الختام، لابد أن يكون جلياً أنه لا إصلاح بلا عدالة، الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتشديد الشروط على الأضعف، ولا بتحميل المدني كلفة ما لم يقرره ولم ينتفع به.

ولكن الإصلاح يبدأ من سؤال بسيط:

هل كل فئة تتحمل كلفة نظامها؟

إذا كانت الإجابة نعم،

فنحن أمام نظام عادل ومستدام.

أما إذا كانت الإجابة لا،

فكل حديث عن الاستدامة يصبح شعاراً بلا مضمون.

إن الضمان الاجتماعي ليس ساحة لإعادة توزيع الامتيازات، ولا منصة لمعالجة اختلالات خارجية، بل هو عقد اجتماعي مالي، والعقود لا تقوم إلا على الوضوح والعدالة وتكافؤ الالتزام.

وإن أي إصلاح لا يبدأ من هنا… لن يكون إصلاحاً،

بل إعادة ترتيب للأعباء على حساب من لا صوت لهم.

 

مركز إحقاق للدراسات القانونية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى