
بورصة عمّان في ظل الرسوم الجمركية الأمريكية: صعود قوي وسط تقلبات جيوسياسية
بقلم أ.د. عاطف البواب
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2025، دخلت الأسواق المالية العالمية مرحلة جديدة من عدم اليقين، بفعل الرسوم الجمركية الأمريكية، والتوترات التجارية، وتغير توقعات أسعار الفائدة والنمو، إلى جانب التصعيد الجيوسياسي في الشرق الأوسط. ولم تكن بورصة عمّان بعيدة عن هذه التطورات، لكنها أظهرت في المقابل قدرة لافتة على الصمود وتحقيق مكاسب كبيرة. فقد ارتفع مؤشر بورصة عمّان العام من 2,488.8 نقطة في نهاية 2024 إلى نحو 3,611.6 نقطة في نهاية 2025، بزيادة بلغت 45.1%، ليكون عام 2025 من أفضل الأعوام أداءً للسوق منذ سنوات. كما حقق مؤشر ASE20 ارتفاعاً بنحو 47.2%، بينما ارتفع مؤشر العائد الكلي ASETR بنحو 58.5%. ووفق بيانات بورصة عمّان، جاء أداء السوق الأردنية ضمن الأفضل عالمياً خلال العام، وهو ما يعكس قوة الطلب على الأسهم الأردنية رغم البيئة الإقليمية المضطربة.
الرسوم الجمركية واختبار المستثمر الأردني
كان إعلان ترامب في نيسان/أبريل 2025 عن سياسة الرسوم الجمركية الجديدة نقطة تحول للأسواق العالمية. فقد أثارت الرسوم مخاوف من حرب تجارية وتباطؤ اقتصادي عالمي، الأمر الذي دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الشركات والقطاعات الأكثر تعرضاً للتجارة الدولية.
لكن تأثير هذه السياسة على بورصة عمّان لم يكن سلبياً بصورة مباشرة. فالسوق الأردنية استفادت من قوة القطاع المصرفي ومن نتائج الشركات، كما أن الاقتصاد الأردني لم يكن معرضاً بالدرجة نفسها للصدمات التي واجهتها بعض الاقتصادات الصناعية أو الأسواق النفطية. لذلك تحولت قرارات المستثمرين تدريجياً من رد فعل عام تجاه الأخبار الدولية إلى انتقاء الأسهم الأكثر قدرة على تحقيق الأرباح والمحافظة على السيولة.
وكان القطاع المصرفي أحد أبرز المستفيدين. فقد سجلت أسهم البنوك القيادية ارتفاعات قوية خلال 2025، الأمر الذي ساهم في دفع المؤشر إلى مستويات تاريخية. واستمر البنك العربي، باعتباره أحد أكبر الأسهم القيادية في السوق، في جذب اهتمام المستثمرين؛ إذ بلغ سعر سهمه 7.48 دينار في 7 أيلول 2026 وفق بيانات بورصة عمّان.
2026: ارتفاع المؤشر وزيادة التذبذب
دخلت بورصة عمّان عام 2026 بزخم صاعد، ووصل المؤشر العام إلى أكثر من 4,000 نقطة. وفي بداية آب، كان المؤشر قد ارتفع بنحو 11.1% منذ نهاية 2025، ليصل إلى 4,012.6 نقطة. كما بلغت القيمة السوقية للسوق مستويات مرتفعة، مدفوعة بتحسن أرباح الشركات واستمرار اهتمام المستثمرين بالأسهم القيادية.
وفي المقابل، أصبح السوق أكثر حساسية للأحداث الجيوسياسية. فالتوترات الإقليمية، والحرب التجارية، وأسعار النفط، والتطورات المتعلقة بالعلاقات الأمريكية الإيرانية، كلها أصبحت عوامل تؤثر في قرارات المستثمرين وتزيد من سرعة انتقال الأموال بين القطاعات.
واللافت أن الشركات المدرجة حققت في النصف الأول من 2026 ثاني أعلى أرباح تاريخية لها، بزيادة بلغت 14.3%، وهو عامل أساسي دعم أسعار الأسهم وقلل من أثر الصدمات السياسية.
المستثمر الأجنبي عامل حاسم
أصبح المستثمر غير الأردني أحد أهم محركات السوق. فقد بلغت ملكية غير الأردنيين في الشركات المدرجة نحو 46.2% من القيمة السوقية في أيلول 2026، فيما بلغت حصة المؤسسات الاستثمارية نحو 32.7%. وهذه النسبة المرتفعة تعني أن حركة رأس المال الأجنبي يمكن أن تزيد التذبذب، خصوصاً عند ارتفاع المخاطر الجيوسياسية العالمية.
وفي 2025 ارتفع الاستثمار الأجنبي في بورصة عمّان بنحو 32%، ووصلت قيمة ملكية المستثمرين الأجانب إلى أكثر من 26.38 مليار دينار، وهو ما عكس ثقة نسبية بالسوق الأردنية رغم عدم الاستقرار الإقليمي.
الخلاصة
تكشف الفترة الممتدة منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض أن بورصة عمّان لم تتحرك في اتجاه واحد. فقد حققت قفزة بنسبة 45.1% خلال 2025، ثم واصلت الصعود في 2026 متجاوزة حاجز 4,000 نقطة، لكنها أصبحت أكثر حساسية للأخبار السياسية والاقتصادية العالمية.
وبالتالي، فإن تأثير ترامب على بورصة عمّان كان مزدوجاً: زيادة المخاطر والتذبذب من جهة، وخلق فرص استثمارية من جهة أخرى. ومع ارتفاع ملكية غير الأردنيين إلى أكثر من 46%، وتحسن أرباح الشركات بنسبة 14.3%، أصبح قرار المستثمر يعتمد بصورة أكبر على ثلاثة عناصر: أداء الشركة المالي، وحركة السيولة الأجنبية، ومستوى المخاطر الجيوسياسية.
وبذلك يمكن القول إن بورصة عمّان أثبتت خلال 2025–2026 أن الأسواق الصغيرة ليست معزولة عن السياسة العالمية، لكنها في الوقت نفسه قادرة على مقاومة الصدمات عندما تكون أساسيات الشركات والأرباح والسيولة قوية.
