QFEX 2026
منبر الكلمة

إربد.. مدينة العشق والوئام

 

عدنان نصّار

ثمة مدن تزورها، وثمة مدن تسكنك.
وثمة مدن، كلما ابتعدت عنها، اكتشفت أنك لم تغادرها تماماً؛ لأن شيئاً منها بقي في الذاكرة، في رائحة شارع، أو صوت بائع، أو وجه صديق قديم، أو باب خشبي لبيت لم يعد موجوداً.
إربد واحدة من تلك المدن.
مدينة لا تختصرها الجغرافيا، ولا تكفيها الصور، ولا تستطيع الكلمات أن تحيط بكل ما تختزنه من ذاكرة.
إربد مدينة العشق والوئام؛ المدينة التي أحبها أهلها لأنها لم تكن مجرد مكان للسكن، بل كانت حياة كاملة، وذاكرة مشتركة، ودفتر أيام مفتوحاً على الحكايات.
شوارع تحفظ الذاكرة
في إربد القديمة، كان للشارع معنى آخر.
لم يكن الطريق مجرد مساحة تصل بين مكانين، وإنما كان جزءاً من الحياة نفسها.
شارع الهاشمي، وشارع السينما، وشارع بغداد، وشارع الحصن، وميدان الساعة، ووسط البلد؛ أسماء تبدو اليوم عادية لمن يمر بها، لكنها بالنسبة لجيل كامل كانت عناوين للحياة.
كان شارع الهاشمي من الشوارع التي تحفظ وجوه الناس وحركة المدينة اليومية. وفي ذاكرة أبناء إربد، تتداخل فيه صورة الدكان القديم مع المقهى، والباعة مع العابرين، وأحاديث الرجال مع حركة النساء والأطفال.
ثم يأتي شارع السينما، ذلك الاسم الذي بقي حياً في الذاكرة حتى بعد أن تغيرت الأشياء.
فالشارع حمل اسمه الشعبي من السينما التي كانت في قلبه، وتحولت دور العرض في إربد آنذاك إلى جزء من الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة. وتشير روايات تاريخية إلى أن سينما الزهراء كانت وراء شيوع تسمية الشارع بـ«شارع السينما».
كان الذهاب إلى السينما في ذلك الزمن أكثر من مشاهدة فيلم.
كان موعداً.
كان فرحاً صغيراً.
وكان بالنسبة إلى الصبية والشباب نافذة تطل على عالم أوسع من حدود المدينة.
وكانت الأرصفة نفسها مسرحاً آخر؛ حيث تتلاقى الوجوه، وتتبادل الأحاديث، وتبدأ صداقات، وربما قصص حب لم يكتب لها أحد نهاية.
ولهذا لم يمت اسم شارع السينما حين غابت السينما.
بقي الاسم لأن الذاكرة أقوى من اللافتة.
شارع بغداد.. طريق إلى المدينة
أما شارع بغداد، فكان واحداً من شرايين إربد التجارية والحياتية، وظل اسمه حاضراً في ذاكرة المدينة باعتباره أحد طرقها الرئيسية. وحتى اليوم، يبقى الشارع جزءاً من شبكة الحركة التي تصل قلب المدينة بمحيطها.
وفي ذلك الزمن، لم تكن التجارة مجرد بيع وشراء.
كان التاجر يعرف زبونه باسمه، ويعرف عائلته، وربما يعرف أين يسكن.
وكانت الدكاكين الصغيرة أكثر من محلات؛ كانت نقاطاً للتعارف وتبادل الأخبار.
أما شارع الحصن، فكان هو الآخر طريقاً يعرفه أبناء إربد جيداً، بوصفه أحد المداخل والمسارات الرئيسية للمدينة، فيما ارتبط الحصن نفسه بتاريخ قديم ومكانة ثقافية وتراثية خاصة في محيط إربد.
ساحة الساعة.. قلب المدينة
ثم هناك ساحة الساعة.
ذلك المكان الذي لا يحتاج إلى كثير من الشرح لأبناء إربد.
فالساعة لم تكن مجرد علامة يهتدي بها القادم إلى وسط البلد، وإنما كانت نقطة التقاء وموعداً وذاكرة.
«نلتقي عند الساعة».
كم مرة قيلت هذه الجملة؟
وكم موعداً بدأ منها؟
وكم صديقاً وقف منتظراً صديقه، وكم شاباً عبر من هناك وهو يحمل أحلاماً لا يعرف إلى أين ستقوده؟
هكذا تصنع المدن ذاكرتها؛ ليس بالأحداث الكبيرة وحدها، وإنما بتفاصيل صغيرة تتكرر آلاف المرات حتى تصبح جزءاً من وجدان الناس.
إربد التي كانت تمشي على مهل
كانت الحياة في إربد القديمة أكثر هدوءاً.
لم تكن الهواتف المحمولة تلاحق الناس، ولم تكن الشاشات تسرق الوقت، ولم يكن أحد يشعر أن عليه أن يصل إلى كل شيء في اللحظة نفسها.
كان الناس يجلسون.
يتحدثون.
يضحكون.
يتجادلون.
ويختلفون ثم يلتقون من جديد.
وكان المقهى مكاناً للسياسة والشعر والأخبار، كما كان الديوان والبيت والمدرسة امتداداً للحياة الاجتماعية.
وفي تلك الأيام، كان للخبز رائحة، وللقهوة طقس، وللمطر ذاكرة.
وكانت المدينة تعرف مواسمها جيداً.
موسم القمح.
موسم الزيتون.
موسم المطر.
ومواسم الأفراح التي كانت البيوت خلالها تفتح أبوابها للجميع.
من البيادر إلى الجامعة
إربد التي عاشت على الزراعة والبيادر والسهول، أصبحت لاحقاً مدينة للعلم والمعرفة.
ومع اتساع التعليم وقيام الجامعة وتزايد الحركة الثقافية، بدأت المدينة تأخذ ملامح جديدة.
دخل إليها الشعراء والكتاب والمثقفون والطلاب من مختلف مناطق الأردن، وأصبحت فضاءً أكثر اتساعاً للحوار.
لكن الجميل أن هذا التحول لم يمحُ تماماً صورتها الأولى.
ظل الفلاح حاضراً في ذاكرتها.
وظل المعلم والكاتب والتاجر والعامل والطالب جزءاً من نسيجها.
وظلت البيوت القديمة تحكي، حتى بعدما غابت بعض أبوابها ونوافذها.
عرار.. حين يصبح المكان قصيدة
ولإربد علاقتها الخاصة بالشعر.
فهي المدينة التي احتضنت تجربة الشاعر مصطفى وهبي التل «عرار»، وبقي بيته شاهداً على جانب من ذاكرتها الثقافية.
وهنا يبدو الشعر جزءاً من طبيعة المكان لا ضيفاً عليه.
فالمدينة التي تعرف البيادر والسهول والناس البسطاء، تعرف أيضاً كيف تنجب القصيدة.
وكأن إربد كانت دائماً تبحث عن لغتها الخاصة؛ مرة في حديث الناس، ومرة في الأسواق، ومرة في المقاهي، ومرة في القصيدة.
حين تتغير المدينة ولا تتغير الروح
كبرت إربد.
ارتفعت الأبنية.
اتسعت الشوارع.
تغيرت الأسواق.
وغادرت بعض المهن القديمة أماكنها.
وتراجعت أشياء كثيرة كانت تشكل صورة المدينة القديمة.
لكن هل غادرت الروح؟
ربما لا.
فالمدن لا تموت حين تتغير حجارتها.
تموت حين تنسى أهلها وذاكرتها.
وإربد، رغم كل التحولات، ما تزال قادرة على استعادة صورتها القديمة كلما ناداها الحنين.
ولعل مشروع إحياء وسط المدينة والحفاظ على شوارعها القديمة، ومن ذلك ما طرحته بلدية إربد بشأن تطوير شارع السينما وتنشيط وسط البلد، يؤكد أن المكان القديم لا يزال قادراً على استعادة دوره إذا أحسنّا قراءة ذاكرته.
إربد.. أكثر من مدينة
حين أقول إن إربد مدينة العشق والوئام، فأنا لا أستخدم العبارة مجازاً فقط.
العشق هنا هو ذلك الشعور الذي يجعل ابن إربد يحمل مدينته معه أينما ذهب.
والعشق هو أن يتذكر الرجل، بعد عقود، اسم شارع طفولته.
أن يتذكر السينما التي كان يقصدها.
المحل الذي اشترى منه أول حذاء.
المقهى الذي جلس فيه مع أصدقائه.
الساعة التي انتظر عندها حبيباً أو صديقاً.
والبيت الذي كان يفتح بابه في المساء.
أما الوئام، فهو تلك القدرة القديمة على أن تجمع المدينة أبناءها رغم اختلافاتهم.
أن يكون في الشارع التاجر والفلاح والموظف والطالب والشاعر، وأن يشعر كل واحد منهم أن له مكاناً في الحكاية.
لهذا لا يمكن أن نكتب عن إربد كمدينة فقط.
علينا أن نكتب عنها كـذاكرة.
كطفولة.
كأصدقاء رحلوا.
كأحياء تغيرت.
كشوارع بقيت أسماؤها في القلب حتى لو تغيرت ملامحها.
وإذا كانت المدن تُقاس بمبانيها وشوارعها ومساحاتها، فإن إربد تُقاس أيضاً بعدد الحكايات التي تركتها في قلوب أهلها.
وهذه مدينة كثيرة الحكايات.
إربد.. مدينة العشق والوئام.
مدينة تكبر، لكنها لا تريد أن تنسى طفولتها.
تفتح نوافذها للمستقبل، لكنها تترك باباً صغيراً مفتوحاً للماضي.
وفي كل مرة يعود أحد أبنائها إلى شوارعها القديمة، كأنه لا يعود إلى مكان فحسب، بل يعود إلى نفسه.
إلى أول الطريق.
إلى أول صديق.
إلى أول حلم.
إلى زمن كان فيه الشارع يعرف أهله، وكان الناس يعرفون بعضهم، وكانت المدينة تبدو أصغر من أن تضيع فيها الوجوه.
إربد ليست فقط المكان الذي ولدنا فيه أو عشنا فيه.
إربد هي المكان الذي بقي فينا.
ولهذا، مهما اتسعت المدينة، ومهما تغيرت شوارعها، ومهما ارتفعت أبنيتها، سيظل في قلبها شارع قديم، وساحة ساعة، ودار عتيقة، وصوت بائع، وضحكة طفل، ومقهى، وسينما، ووجه ينتظر عند الرصيف.
وسيظل هناك دائماً من يقول:
هذه إربد… وهذه حكايتي معها.

زر الذهاب إلى الأعلى